اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
في لحظات الانكسار الكبرى، لا تُقاس قيادة الدول بكمّ التصريحات ولا بعلوّ النبرة السياسية، بل بقدرة القائد على الإمساك بخيوط الدولة حين تتفكّك، وعلى حماية البيت حين تهبّ العاصفة. وفي لبنان، الذي يقف مرّة جديدة على حافة حرب مدمّرة، يبرز دور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بوصفه أشبه بربّ منزلٍ يسهر ليلًا كي لا يسقط سقف البيت فوق رؤوس أهله.
فمنذ تصاعد المواجهة في الإقليم واحتمال تمدّد الحرب إلى لبنان، تحرّك الرئيس عون على أكثر من خط، مدركًا بحسّه العسكري وخبرته الطويلة أن البلاد قد تجد نفسها فجأة في قلب صراع لا قدرة لها على تحمّل تبعاته. كان يرى، منذ أشهر، أن الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة ليست مجرّد استعراض قوّة، بل هي تمهيد لاحتمال مواجهة واسعة مع إيران، وأن لبنان سيكون من أوائل المتأثرين بها إن لم تُتخذ خطوات استباقية تحميه.
ومن هذا الإدراك، جاءت مبادرته السياسية التي سعت إلى نزع ذرائع التصعيد خطوةً خطوة. طرح الرئيس عون صيغة تقوم على انسحاب إسرائيل من نقطة واحدة على الأقل من الأراضي اللبنانية المحتلة، مقابل سيطرة الدولة اللبنانية الكاملة عليها عبر الجيش، على أن تتولّى الجهات الدولية الراعية التحقق من التنفيذ، قبل الانتقال إلى نقطة تالية. الهدف كان واضحًا: الوصول تدريجيًا إلى السيطرة الفعلية للدولة على كامل أراضيها، ثمّ تثبيت وقف نهائي للأعمال العدائية وترتيبات أمنية دائمة على الحدود وفق القرارات الدولية.
لكن المبادرة، رغم واقعيّتها، لم تجد التجاوب المطلوب.
اليوم، ومع تطوّر التصعيد، تبدو المعركة بالنسبة إلى الرئيس عون معركة حماية الدولة نفسها. فهو يرى أن من أطلق الصواريخ من لبنان لم يكن يسعى فقط إلى الردّ العسكري، بل إلى جرّ البلاد نحو سقوط شامل تحت وطأة العدوان والفوضى، ولو كان الثمن تدمير عشرات القرى وسقوط عشرات آلاف الضحايا خدمةً لحسابات إقليمية.
وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة اللبنانية في الثاني من آذار قرارًا حاسمًا يقضي بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لـ حزب اللّه، وهو قرار وصفه الرئيس عون بأنه نهائي ولا عودة عنه، ويجب تنفيذه بشكل واضح وحاسم حفاظًا على الدولة وسيادتها.
لكن الرئيس لم يكتفِ بالقرار السياسي. فمن يتابع تحركاته في الأيام الأخيرة يلاحظ سلوكًا يختلط فيه السياسي بالإنساني. فقد برزت زيارته إلى وزارة الدفاع وقيادة الجيش ولقاؤه القائد والضباط، في توقيت حسّاس تشهد فيه المؤسسة العسكرية حملة منظمة. كان المشهد أقرب إلى قائد يقف إلى جانب جنوده في لحظة ضغط، أو ربّ أسرة يطمئن أبناءه حين تشتدّ المحن.
فالجيش بالنسبة إلى عون ليس مجرّد مؤسسة أمنية، بل العمود الفقري للدولة اللبنانية، والحصن الأخير في وجه الفوضى. ومن هنا، جاء حرصه على الوقوف إلى جانب القيادة العسكرية، وإظهار الدعم السياسي والمعنوي للمؤسّسة التي يعرف تفاصيلها جيدًا بعدما قادها سنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، فعّل الرئيس كلّ القنوات الدبلوماسية الممكنة. اتصالات مع عواصم القرار، ومع الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، في محاولة لتأمين مظلّة دولية تحمي لبنان من الانزلاق إلى الحرب. وقد شدّد في هذا الإطار على تضامن لبنان مع الدول العربية التي تعرّضت لهجمات إيرانية، من السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان والعراق والأردن، كما مع دول صديقة مثل أذربيجان وتركيا وقبرص.
أمّا المبادرة التي يطرحها اليوم أمام المجتمع الدولي فتقوم على أربع ركائز واضحة:
• إرساء هدنة كاملة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية.
• تقديم دعم لوجستي عاجل للجيش والقوى المسلّحة اللبنانية.
• سيطرة هذه القوى على مناطق التوتر ومصادرة السلاح غير الشرعي بما فيه سلاح حزب اللّه ومستودعاته.
• إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية لتنفيذ هذه الخطوات.
هذه المقاربة لم تأتِ نتيجة ضغوط خارجية فقط، بل أيضًا نتيجة قراءة واقعية لموازين القوى. فالرئاسة اللبنانية تدرك أن أي حرب بين حزب اللّه وإسرائيل لن تؤدي إلّا إلى دمار واسع في لبنان دون تغيير فعلي في ميزان القوة العسكرية.
في خلفية كلّ ذلك، يدرك الرئيس اللبناني أن البلاد تقف أمام مفترق تاريخي. فـ حزب اللّه يجد نفسه اليوم بين ضغطين كبيرين: الضغط الإسرائيلي المستمرّ من الجنوب، والتغيّرات المتسارعة على الحدود السورية. كما أن البيئة الشيعية التي تحمّلت أثمان الحرب والتهجير تحتاج إلى إعادة إعمار واستقرار، وهو أمر لن يتحقق من دون هدنة ومفاوضات.
ومن هنا، تراهن الدولة اللبنانية على نجاح المسار التفاوضي لسحب الذرائع من دعاة الحرب، ولإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للسلم والحرب.
في النهاية، قد تختلف القراءات السياسية حول خيارات الرئيس جوزاف عون، لكن الثابت أن الرجل يتصرّف في هذه المرحلة كمن يعرف أن البيت مهدّد بالسقوط. وكربّ منزلٍ يقف في وجه العاصفة، يحاول أن يحمي الجدران المتصدعة، وأن يمنع النار من الوصول إلى غرف الأطفال.
وفي بلدٍ اعتاد أن يُدار بالصراعات، يبدو أن معركة عون اليوم ليست فقط معركة سياسة…











































































