اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٧ أب ٢٠٢٦
عندما يصبح التبنّي الخيار المناسب، فإن حماية الطفل لا تقتصر على سلامة الإجراءات، بل تمتد لتشمل التأكد، قبل صدور أي حكم نهائي، من أن الأسرة ستكون قادرة على العيش معاً، وأن الاعتراف القانوني، وإجراءات الهجرة، والضمانات المتعلقة بالإقامة والجنسية قد استُكملت. فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد صدور حكم بالتبنّي، بل عندما يكون هذا الحكم قابلاً للحياة، ويؤدي فعلاً إلى استقرار الطفل داخل أسرته الجديدة، لا إلى إبقائه عالقاً بين نظامين قانونيين.
منذ أسابيع، تتصدّر وسائل الإعلام الكندية قصة عائلة كندية من أصول لبنانية أنهت إجراءات تبنّي طفلة في لبنان، لكنها لم تتمكن من تسفيرها إلى كندا بسبب رفض الحكومة الكندية استصدار أوراق تسمح بسفر الطفلة بصفة طفلة متبناة.
وبينما بقي عضو من العائلة في كندا، اضطرت السيدة إلى البقاء مع الطفلة في لبنان لأشهر طويلة، في انتظار حلّ قانوني يتيح لهما السفر. وقد تحوّلت القضية إلى نقاش سياسي وإعلامي حول مسؤولية السلطات الكندية، والإجراءات الإدارية، والبيروقراطية التي حالت دون لمّ شمل الأسرة.
تُسلّط هذه القضية الضوء على معضلة بنيوية عميقة في مجال التبنّي الدولي، وهي معضلة لا يمكن اختزالها في خلاف أنظمة الحماية، ولا في تحميل المسؤولية لعائلة بعينها. فبحسب ما أعلنته العائلة، استكملت إجراءات التبنّي أمام القضاء اللبناني، وصدر حكم قضائي يُقرّ بالتبنّي بعد المرور بالمراحل القانونية المطلوبة. إلا أنّ الطفلة لم تتمكّن من الالتحاق بعائلتها في كندا، لأنّ التبنّي لم يكن معترفاً به ضمن الآليات التي تعتمدها السلطات الكندية، ما أدّى إلى نشوء حالة من الفراغ القانوني والإنساني، إذ تعترف دولة بالتبنّي بينما تعجز الأخرى عن استكمال آثاره.
لكن خلف هذه القصة الإنسانية المؤلمة، تختبئ أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد تأخر في إصدار تأشيرة أو خلاف بين دولتين. فكيف يمكن أن يُستكمل تبنٍّ دولي في بلد المنشأ، بينما لا يكون الطفل أو الطفلة مؤهلاً قانونياً للانتقال إلى بلد الأسرة المتبنّية؟ والأهم من ذلك، هل كانت مصلحة الطفلة الفضلى هي البوصلة التي وجّهت جميع القرارات؟
هذه القضية لا تتعلق بحالة الزوجين اللذين قررا التبني من لبنان، ولا تبرّر التشكيك في رغبتهما في احتضان طفلة تحتاج إلى أسرة. كما أنها لا تُختزل في تحميل المسؤولية لطرف واحد. بل تكشف عن إشكالية أعمق في منظومة التبنّي الدولي، حيث قد تتقاطع اعتبارات حماية الأطفال من الإتجار والاستغلال مع حقهم في العيش ضمن أسرة مستقرة، من دون أن تنجح الأنظمة القانونية دائماً في تحقيق التوازن بين هذين الهدفين.
ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن الشخص الوحيد الذي لم يكن له أي دور في القرارات التي اتُّخذت هو الطفلة نفسها، لكنها أصبحت الوحيدة التي تتحمل تبعاتها. وبينما تتجادل الأنظمة القانونية حول الاختصاصات والإجراءات، تبقى هي عالقة بين بلدين، وبين نظامين، وبين مفهومين مختلفين لما تعنيه 'المصلحة الفضلى للطفل'.
ولفهم هذه القضية، لا بد من وضعها ضمن السياق التاريخي الأوسع للتبنّي الدولي في لبنان. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت عمليات نقل الأطفال من لبنان إلى بلدان غربية عبر الإرساليات والمؤسسات الدينية والخيرية، إلا أنّ التبنّي الدولي بمعناه المعاصر تسارعت وتيرته خصوصاً منذ سبعينات القرن الماضي وخلال سنوات الحرب الأهلية وما بعدها، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وتنامي دور المؤسسات الخاصة، وغياب إطار وطني موحّد ينظّم التبنّي الدولي ويؤمّن التنسيق مع الدول المستقبِلة.
وعلى مدى عقود، لم يكن التبنّي الدولي مجرد قصة عن إيجاد أسر للأطفال، بل كان أيضاً جزءاً من تاريخ أكثر تعقيداً، تداخل فيه الفقر والحرب والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمومة خارج الزواج وعدم المساواة بين الدول، مع مصالح اقتصادية ومؤسساتية، ما جعل بعض الأطفال والطفلات عرضة للإتجار أو التزوير أو الفصل غير المشروع عن أسرهم. وقد كشفت شهادات عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللبنانيين، بعد عقود، أن بعضهم لم يكونوا أيتاماً، بل كانت لهم عائلات لم تحصل على فرصة حقيقية لتربية أطفالها، أو لم تُمنح المعلومات الكاملة لاتخاذ قرار حر ومستنير.
في موازاة هذه المراجعات، شهدت منظومة التبنّي الدولي عالمياً، تحوّلاً جذرياً، إذ انتقل التركيز من تسهيل إيجاد أسر للأطفال إلى ضمان حق الأطفال في عدم الانفصال عن أسرهم أو مجتمعاتهم إلا عندما يكون ذلك ضرورياً، وبعد استنفاد جميع البدائل الممكنة لدعم الأسرة الأصلية أو الرعاية ضمن الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي.
وأصبح التبنّي الدولي يُنظر إليه بوصفه الحل الأخير، لا الخيار الأول، تحكمه معايير صارمة لضمان احترام حقوق الطفل ومنع الإتجار به أو استغلال هشاشة الأسر.
وانعكس هذا التحوّل على سياسات الدول المستقبِلة، ومنها كندا، ولا سيما في مقاطعة كيبيك، التي تشترط الحصول على موافقة مسبقة من سلطاتها المختصة قبل الشروع في أي إجراءات تبنٍّ في بلد المنشأ، وأن تتم العملية ضمن إطار قانوني يوفّر الضمانات اللازمة للاعتراف بالتبنّي واستكمال إجراءات هجرة الطفل أو الطفلة. وبما أنّ لبنان لم ينضم إلى اتفاقية لاهاي الخاصة بالتبنّي الدولي، ولا يعتمد هيئة مركزية تنظّم هذا النوع من التبنّي وفق المعايير الدولية، أصبحت عمليات التبنّي من لبنان إلى كيبيك نادرة للغاية ومعقّدة من الناحية القانونية والإجرائية. إلا أنّ القضية الحالية تكشف أن غياب التنسيق المسبق بين بلد المنشأ وبلد الاستقبال لا يمنع دائماً المضي في إجراءات التبنّي داخل لبنان، ما قد يفضي إلى أوضاع يجد فيها الأطفال أنفسهم عالقين بين نظامين قانونيين، فيما يفترض أن تكون مصلحتهم الفضلى هي الاعتبار الأول في جميع القرارات التي تمسّ حياتهم.
وهذه ليست خصوصية لبنانية. ففي السنوات الأخيرة، شهد العالم مراجعة غير مسبوقة لإرث التبنّي الدولي. ففي هولندا، خلصت لجان تحقيق مستقلة إلى وجود مخالفات جسيمة في عمليات التبنّي الدولي امتدت لعقود، شملت التزوير والفساد والإتجار بالأطفال في عدد من بلدان المنشأ، ما دفع الحكومة إلى تعليق التبنّي الدولي، بينما يواصل عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللجوء إلى القضاء للمطالبة باعتراف الدولة بمسؤوليتها عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها.
وفي كوريا الجنوبية، التي كانت لعقود من أكبر الدول المرسلة للأطفال عبر التبنّي الدولي، نجح المتبنّون والمتبنّيات البالغون في تحويل تجاربهم الشخصية إلى حركة حقوقية دفعت الدولة إلى فتح تحقيقات رسمية في ممارسات الماضي، والكشف عن ملفات مزوّرة وانتهاكات في بعض الحالات، وصولاً إلى إصلاحات تشريعية تعيد مسؤولية حماية الأطفال إلى الدولة، وتعزّز بقاءهم داخل أسرهم ومجتمعاتهم كلما كان ذلك ممكناً.











































































