اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ١٦ أيلول ٢٠٢٦
أصبح الذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، حيث يمتد استخدامه من تخصيص المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي إلى ميزة التعرف على الوجوه في الصور وتسريع الاكتشافات الطبية. مع ذلك، أثارت برامج الدردشة الآلية مثل «شات جي بي تي» و«أوبن إيه آي» مخاوف متزايدة تتعلق بتأثيرها البيئي، وتداعياتها الأخلاقية، وطرق استخدام البيانات، بالإضافة إلى تحذيرات من احتمال أن يصبح الذكاء الاصطناعي قويًا يصل إلى حد التهديد البشري، وهو ما دفع إلى دعوات لإبطاء وتيرة تطوير هذه التقنية وتعزيز الرقابة عليها وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
يتصاعد النقاش الدولي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، لا سيما من قبل مطوري التقنية، في ظل دعوة الأمم المتحدة، يوم الاثنين، إلى 'تحرك طارئ' يهدف إلى كبح التقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة للغاية.
الذكاء الاصطناعي هو نظام يمكّن الحواسيب من تحليل كميات ضخمة من البيانات واكتشاف الأنماط، لتوجيه طريقة التعامل مع هذه المعلومات بناءً على تعليمات محددة، مع وجود محاولات لمحاكاة العمليات الذهنية البشرية رغم عدم قدرة الحواسيب على التفكير أو التعاطف بذاتها. يُستخدم الذكاء الاصطناعي في مجالات عدة؛ منها توقع مشتريات الأغلبية في التسوق الإلكتروني، وتقديم المساعدين الصوتيين مثل «سيري» من شركة أبل و«أليكسا» من أمازون، وتطوير السيارات ذاتية القيادة، إلى جانب دعم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تيك توك» و«إكس» في ترتيب المحتوى المعروض، واقتراح الأغاني عبر خدمات مثل «سبوتيفاي» و«ديزر». كما يلعب دورًا متزايدًا في المجال الطبي بمساعدة الكشف المبكر عن السرطانات ومراجعة صور الأشعة وتسريع التشخيص وتحديد العلاجات.
أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيُستخدم لإنتاج محتوى جديد يشبه ما يبدعه البشر، عبر التعلم من كمٍّ هائل من البيانات المتاحة على الإنترنت من نصوص وصور. ومن أشهر الأدوات في هذا المجال روبوت الدردشة «شات جي بي تي» و«ديب سيك» المنافس الصيني، إلى جانب خدمات مثل «جيميناي» من جوجل و«ميتا آيه آي» التي تتيح محادثات نصية، فضلاً عن تطبيقات توليد الصور والفيديوهات مثل «ميدجورني» و«فيو3». ويشمل الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضًا إنتاج موسيقى تحاكي أنماط أو أصوات موسيقيين مشهورين، مما أثار جدلاً وارتباكًا بين الجمهور بشأن مدى أصالة هذه الأعمال.
على الرغم من الإمكانيات الكبيرة للذكاء الاصطناعي، يُعبّر عدد من الخبراء عن قلقهم من تداعيات نموه السريع. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على حوالي 40% من الوظائف ويسهم في تفاقم الفوارق المالية العالمية. كما حذر البروفسور جيفري هينتون، أحد 'الآباء الروحيين' لتطوير الذكاء الاصطناعي، من احتمال أن تؤدي الأنظمة المتقدمة إلى تهديد وجود البشرية، في حين استبعد زميله يان ليكون هذه المخاوف.
مجددًا، في سبتمبر 2026، أعادت أوساط بحثية التأكيد على ضرورة التركيز على مخاطر الذكاء الاصطناعي الحالية، مثل إمكانية توليد معلومات متحيزة أو التمييز ضد فئات معينة، نتيجة اعتماد نظم الذكاء الاصطناعي على بيانات عامة قد تعكس تحيزات مجتمعية قائمة مثل التحيز الجنسي أو العنصري. وتبقى هذه النظم عرضة للأخطاء رغم تحسن أدائها.
تشتهر أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بحالات 'الهلوسة' أو اختلاق المعلومات وتقديم ادعاءات غير صحيحة على أنها حقائق، ومنها اختلاق مصادر غير موجودة. في بداية عام 2025، اضطرت شركة أبل لسحب ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي عقب تلخيصها الإشعارات الإخبارية بشكل خاطئ، كما تعرضت جوجل لانتقادات بسبب عدم دقة ملخصات البحث التي يولدها الذكاء الاصطناعي الخاص بها.
كما أثار الذكاء الاصطناعي مخاوف في مجالي التعليم والعمل؛ إذ يستخدم الطلاب هذه الأدوات أحيانًا للغش، ما يثير اتهامات خاطئة، بينما يدخل الموظفون هذه التقنيات خلسة في بيئة العمل. وعبّر الكُتّاب والموسيقيون والفنانون عن رفضهم لهذه التقنيات لأسباب أخلاقية، موضحين أن مطوري الذكاء الاصطناعي يستغلون أعمالهم لتدريب نظم الذكاء الاصطناعي دون موافقة أو تعويض. وفي أكتوبر 2024، وقع آلاف من المبدعين، منهم بيورن أولفايوس (عضو فرقة 'آبا') والكاتبان إيان رانكين وجوان هاريس والممثلة جوليان مور، على بيان وصف الذكاء الاصطناعي بأنه 'تهديد كبير وغير عادل' لدخلهم المهني.
أما على صعيد البيئة، فلا يزال من غير الواضح بدقة كمية الطاقة التي يستهلكها قطاع الذكاء الاصطناعي، لكن بعض التقديرات تشير إلى أن الطاقة المستخدمة قد تعادل استهلاك دولة مثل هولندا بالكامل قريبًا. ويرتبط استهلاك الطاقة الكبير بصناعة الرقاقات المتقدمة التي تشغل برمجيات الذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب أيضًا كميات كبيرة من المياه. والطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي أدى إلى نمو مراكز البيانات الضخمة، التي تحتوي آلاف الخوادم وتستهلك طاقة هائلة وتحتاج إلى تبريد مكثف قد يُفاقم مشاكل ندرة المياه. وفي هذا السياق، استثمرت شركات تقنية كبرى في حلول لتقليل استهلاك المياه أو إعادة استخدامها، واعتمدت طرق تبريد بالهواء، لكن لا تزال المخاوف قائمة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على مصادر المياه. وفي سبتمبر 2024، أبلغت 'غوغل' عن إعادة النظر في خطط بناء مركز بيانات في تشيلي، بسبب ظروف الجفاف الشديدة هناك.
على مستوى التنظيم، بدأت بعض الدول في إصدار قوانين تحكم أنظمة الذكاء الاصطناعي، منها 'قانون الذكاء الاصطناعي' بالاتحاد الأوروبي الذي يضع ضوابط على الأنظمة عالية المخاطر في التعليم والرعاية الصحية وإنفاذ القانون والانتخابات، ويحظر بعض الاستخدامات كليًا. يتطلب الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين حماية بيانات المواطنين والتزام الشفافية مع القوانين الرقابية الصارمة. أما في المملكة المتحدة، فاستخدمت القوانين القائمة لضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي بدلاً من تشريعات جديدة، مع تعديلها لمواجهة مخاطر محددة مثل حظر الصور العارية المزيفة (التزييف العميق) والمحتوى الاستغلالي للأطفال. كما أنشأت المملكة المتحدة 'معهد أمان الذكاء الاصطناعي' المستقل لتقييم مخاطر هذه النماذج، ووقعت اتفاقيات تعاون مع الولايات المتحدة لتطوير أنظمة اختبار قوية لنماذج الذكاء الاصطناعي، لكن حتى مطلع 2025، لم توقع أي دولة على إعلان عالمي لتحقيق نهج شامل ومستدام لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
في الأشهر الأخيرة، كشفت شركتا 'أوبن إيه آي' و'أنثروبيك' عن حوادث تسببت فيها أنظمتهم التي خرجت عن السيطرة، حيث استطاعت هذه الأنظمة الاتصال بالإنترنت، مهاجمة مواقع، والتنسيق فيما بينها لإنشاء هرمية داخلية، بالإضافة إلى الغش ومسح آثار أفعالها. كانت الخطوة العملية الوحيدة التي أعلنت عنها الشركتان تتمثل في تعيين مراقبين مستقلين للتحقق من سلامة وأمان أنظمة الذكاء الاصطناعي داخليًا.
ودعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة 'أنثروبيك'، السبت، إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي لمنح فرصة لفهم أفضل للمخاطر المرتبطة بالقدرات الجديدة، وحظي بدعم من إيلون ماسك، وسام ألتمان المدير التنفيذي لـ'أوبن إيه آي'، وديميس هاسابيس من 'غوغل ديبمايند'، وساتيا ناديلا من 'مايكروسوفت'. وعبّر أمودي عن خشية من أن يتمكن الذكاء الاصطناعي خلال 6 إلى 12 شهرًا من السيطرة على شبكة الإنترنت بالكامل، مقدمًا خطة من ثلاثة أجزاء لتطوير التكنولوجيا بوتيرة متوازنة.
من جانبه، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك يوم الاثنين إلى تحرك عاجل لكبح 'الذكاء الاصطناعي الرائد' محذرًا من المخاطر غير المسبوقة التي يحملها وقال إنه سيحدث تغييرًا لا رجعة فيه يمتد أثره إلى أجيال مقبلة.
في المقابل، عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الأحد عن رفضه لدعوات إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي واصفًا تلك المطالب بـ'السلبية'، وقال في تصريح لصحافيين خلال زيارة إلى آيرلندا: 'أعتقد أن هناك الكثير من الأصوات السلبية التي تثير المسألة ولا يجدر بها فعل ذلك وتتحدث عن أمور لن تحدث'. وأكد الاثنين أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل صلاحيات تنظيمية وجنائية كافية لمتابعة أي تجاوزات من شركات التكنولوجيا في هذا المجال.
وفي إطار مساعيه لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي، كشفت شركة 'مايكروسوفت' يوم الاثنين عن ميثاق سلوك جديد ينسجم مع مفهوم 'الذكاء الاصطناعي الإنساني' (Humanist AI)، الذي يركز على بقاء الأنظمة تحت السيطرة البشرية بدلاً من عملها بشكل مستقل، مؤكدة أن 'البشر أهم من الذكاء الاصطناعي'. جاء الإعلان عن الميثاق وسط تصاعد المخاوف الأمنية بعد عمليات قرصنة واسعة نفذت بمساعدة وكلاء الذكاء الاصطناعي، ما يعكس الحاجة إلى تنظيم فعال. وسيُطبق هذا الميثاق على نماذج MAI الداخلية التي طورتها 'مايكروسوفت' كبديل عن تقنية 'أوبن إيه آي' التي اعتمدت عليها سابقًا











































































