اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يفرض التبسيط اليساري نفسه حين يصير الحدث في حد ذاته محور التفكير الأوحد في صلب أي عملية تقييم أو إعادة تقييم، وتُستبعَد الأسباب والنتائج والتبعات، كما تُستبعَد الإرادة الذاتية في اتخاذ القرارات، أو حين يُزال الحدث من السياق الذي تتحكّم به عوامل ذاتية وموضوعية محدّدة، ليرمى تعسّفاً في سياقٍ تاريخي متخيّل على رغم تبدّل الجهات الفاعلة واختلاف الظروف المحيطة بها.
يُعاد طرح إشكالية بناء الدولة في كل لحظة تاريخية حرجة في لبنان. لم تعد هذه الإشكالية مجرد سؤال نظري في المنطقة العربية عموماً ولبنان خصوصاً، بل تحولت إلى مأزق وجودي يمسّ جوهر الحياة الاجتماعية. فالدولة التي يُفترض أن تكون تجسيداً للإرادة الجماعية، وتعبيراً عن العقد الاجتماعي، أصبحت مجرد وهمٍ نطارده، عاجزين عن إعادة إنتاج سلطة لا نشعر بالاغتراب التام عنها كلبنانيين.
ومع استمرار تصدّع مشروع الدولة الوطنية على مراحل في معظم بلدان المنطقة، منذ انحدار حركات التحرر واليسار العربي وصعود قوى الإسلام السياسي، وهيمنة القوى اليمينية المتطرفة والميليشيات الطائفية التي تحمل مشاريع تقسيمية، بما في ذلك قوى اليمين الصهيوني المتطرف التي تقود اليوم أكبر عدوانٍ عسكري في المنطقة منذ عام 1967، باتت ضرورة النقاش الأوسع في هذه الإشكالية تفرض نفسها.
الكسل الفكري الذي يعلّق كل إخفاقات بناء الدولة في لبنان على شماعة الاستعمار لتبرير إخفاقات الحاضر، ليس سوى هروب من المسؤولية التاريخية. هذا الكسل أصبح سمةً من سمات المناخ السياسي اليساري في لبنان، الذي اخترقه منطق التفكير البديهي، إلى درجة أنه أصبح يعجز عن تلمّس اتجاه البوصلة عند كل حدث وأمام كل تحدٍّ جديد، بل إن عملية إنتاج الفكر بحد ذاتها أصبحت محكومة بتصوّرات بديهية، وتفسيرات تُرجع كل مشاكل لبنان في الماضي والحاضر إلى جذور البنية الكولونيالية تارةً، أو إلى 'الآخر' (أياً كان) طوراً، متجاهلةً العملية التاريخية (historical process) بكليّتها، أو مركّزة على بعض عناصرها ومستبعدةً الجزء الأكبر منها.
فالقوى التي تدير الصراع أو تُدار فيه، أو تفعل الاثنين معاً، إلى هذا الحد أو ذاك في كلَي الحالين، ليست مجرَّدَ امتدادٍ لاتفاقية تاريخية هنا أو توازنات دولية أو إقليمية هناك، بل هي قوى فاعلة في الحاضر، ومنتجة أو مساهمة في إنتاج ظروف المستقبل، تمتلك إرادةً، أو بعضاً منها، وتتحمل مسؤولية خياراتها، أو جزءاً منها. لذا، فإن اختزال كل هذه التعقيدات في جانبٍ معين، يشبه اختزال النهر بمنبعه من دون جميع الروافد التي شكّلت مجراه.
يفرض التبسيط اليساري نفسه حين يصير الحدث في حد ذاته محور التفكير الأوحد في صلب أي عملية تقييم أو إعادة تقييم، وتُستبعَد الأسباب والنتائج والتبعات، كما تُستبعَد الإرادة الذاتية في اتخاذ القرارات، أو حين يُزال الحدث من السياق الذي تتحكّم به عوامل ذاتية وموضوعية محدّدة، ليرمى تعسّفاً في سياقٍ تاريخي متخيّل على رغم تبدّل الجهات الفاعلة واختلاف الظروف المحيطة بها.











































































