اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
ما إن يميل نهار رمضان نحو الغروب، ويبلغ الظمأ مبلغه من الصائمين، حتى تتجه الأبصار والقلوب نحو تلك «الأباريق» الملونة التي تتصدر الموائد العربية. المشروبات الرمضانية في وجداننا ليست مجرد سوائل لقطع العطش، بل هي «علاجات روحية» وموروثات طبية وتاريخية صاغتها خبرة الأجداد في التعامل مع حرارة الصيف ومشقة الصيام. من «الجلاب» الشامي المعتنق بالبخور، إلى «الفيمتو» الذي بات أيقونة خليجية، وصولاً إلى «الآبري» السوداني المعقد، تروي لنا هذه المشروبات قصة «الإرواء» الذي يحمل في كل قطرة منه نكهة بلد، وتاريخ أمة.
•تاريخ «الأشربة» في التراث.. عرف العرب منذ القدم فلسفة «الأشربة الرمضانية» كجزء من الطب الوقائي. يذكر أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» أن الاعتدال في الشرب وبدء الإفطار بما يلين المعدة هو أصل الصحة. تاريخياً، يذكر المؤرخ المقريزي في «الخطط» أن القاهرة الفاطمية كانت تشهد رواجاً لما يسمى بـ «الأشربة السلطانية»، حيث كان يُصرف السكر واللوز لتجهيز مشروبات تُوزع في المساجد وقت الإفطار. وفي دمشق، يروي ابن كنان في «يوميات شامية» عن «باعة التمر هندي» الذين كانوا يطوفون الأسواق بجراتهم النحاسية اللامعة التي تُبرد بقطع الثلج المجلوب من قمم جبل الشيخ، وهو ما يوثق لبدايات «صناعة الانتعاش» في التاريخ العربي.
•دول الخليج العربي.. «الفيمتو» و«اللومي» وقهوة الاستقبال في دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تطورت ثقافة المشروبات من البساطة الصحراوية إلى الرموز الحديثة. الفيمتو (أيقونة العصر) رغم أصوله البريطانية، إلا أن هذا المشروب الأحمر ارتبط بالوجدان الخليجي منذ السبعينيات بشكل لا يمكن فصمه. يرى الباحثون أن «الفيمتو» نجح في الخليج لأنه يعوض السكر المفقود بسرعة ويناسب ذائقة أهل المنطقة التي تميل للحلول المركزة. اللومي الحساوي والعماني، يبرز مشروب «الليمون الأسود» المجفف (اللومي)، الذي يُغلى ويُبرد ليقدم كمنعش وهاضم ممتاز بعد الوجبات الدسمة كالهريس والمكبوس. القهوة العربية، تظل القهوة بالهيل والزعفران هي «سيد الوقت»؛ فهي لا تغيب عن المائدة الخليجية لحظة الإفطار، وتُعتبر المشروب الذي يربط بين الصيام والقيام، وتُقدم دائماً مع التمر لكسر حدة المرارة.
•بلاد الشام.. «الجلاب» و«قمر الدين» وسحر البخور بلاد الشام (لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن) هي مهد المشروبات الرمضانية «الأرستقراطية». الجلاب هو ملك المشروبات الشامية بلا منازع. يُصنع من دبس الزبيب أو التمر، ويُبخر بخشب العود والمستكة، ويُزين بالصنوبر واللوز. يذكر أرشيف التراث البيروتي أن «بائع الجلاب» كان يمثل ركناً أساسياً في أسواق بيروت القديمة، حيث تضفي رائحة البخور في المشروب طابعاً قدسياً. قمر الدين، ابتكار دمشقي بامتياز. يُصنع من المشمش المجفف، ويُعد المشروب المفضل لبدء الإفطار لقدرته العالية على تنبيه الأمعاء. العرقسوس والتمر هندي هما مشروبات الحارة الشعبية؛ حيث يرتدي بائع العرقسوس زيه التقليدي ويقرع «الصاجات» النحاسية في نغمة منبهة للصائمين قبيل الأذان، وهو طقس صامد منذ العهد العثماني.
•مصر.. «الخشاف» و»السوبيا» وروح المحروسة في مصر، المشروبات هي «طقوس» اجتماعية: الخشاف هو «سيد الإفطار»، ويتكون من منقوع التمر والزبيب والقراصيا والمشمشية. يذكر الجبرتي أن الخشاف كان يُقدم كوجبة ومشروب في آن واحد، وهو علامة على «سعة البيت» وكرمه. السوبيا مشروب أبيض يُصنع من الشعير أو الأرز وجوز الهند. وتعد «سوبيا الرحماني» في القاهرة من المعالم الرمضانية التي يشد إليها الناس الرحال، حيث تمتاز بمذاق يمزج بين الحلاوة واللمحة الحامضة المحببة. الكركديه هو الذهب الأحمر الذي يُشرب بارداً لإطفاء ظمأ النهار، ويشتهر بقدرته على ضبط ضغط الدم بعد عناء الصيام. المغرب العربي.. «الشاي بالنعناع» وما زهر تونس في دول المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر)، يأخذ الإرواء طابعاً مختلفاً: الشاي بالنعناع (الأتاي)، لا يُعتبر الشاي مشروباً عادياً في المغرب، بل هو «طقس إفطار». يُقدم في «البراد» مع «الررزة» (رغوة الشاي)، وهو المشروب الذي يجمع العائلة بعد الوجبات الرئيسية. اللبن والرايب، يبدأ الإفطار في المغرب والجزائر بتناول التمر مع اللبن أو «الرايب» (الحليب المتخثر)، وهو تقليد أندلسي قديم يهدف لتبريد حرارة المعدة. في تونس، يبرز مشروب «الدرع» (من الحبوب) و»النسري» (ماء الزهر المقطر)، الذي يُضاف للماء البارد ليمنحه نكهة حدائق قرطاج، وهو مشروب يفيض بالأناقة الرمضانية.
•السودان.. ملحمة «الآبري» (الحلو مر) يمتلك السودان أغرب وأعقد مشروب رمضاني في العالم، وهو «الآبري» أو «الحلو مر». يبدأ الاستعداد له في رجب؛ حيث تُخمر الذرة وتُضاف إليها كميات هائلة من البهارات (القرفة، الزنجبيل، القرض، الحلبة، والكمون)، ثم تُخبز كرقائق رقيقة جداً. عند الإفطار، تُنقع هذه الرقائق في الماء، لتعطي مشروباً يجمع بين الحلاوة والمرارة والحموضة في وقت واحد. يذكر المؤرخون السودانيون أن «رائحة الآبري» هي التي تعلن دخول رمضان في الأحياء السودانية، وهو مشروب يُصدّر للسودانيين المغتربين في كافة أنحاء العالم كـ «قطعة من الوطن».
•اليمن والعراق.. «القديد» و«الشربت» في اليمن يبرز مشروب «القديد» (المشمش المجفف الجبلي) ومشروب «القهوة البيضاء» (قهوة اللوز)، وهي مشروبات طاقة تمد الصائمين بالقدرة على أداء صلاة التراويح والقيام في المساجد الجبلية العالية. في العراق يشتهر «شربت الزبيب» (خاصة زبيب الموصل)، الذي يُباع في منطقة «الوزيرية» وباب المعظم. هذا المشروب القاتم والمكثف هو رفيق الموائد البغدادية، ويُعتبر أفضل معادل لطبق «التشريب» الدسم.
•لماذا هذه المشروبات؟ يرى خبراء التغذية والأنثروبولوجيا أن تنوع هذه المشروبات يعكس ذكاءً فطرياً. فالعرب في الشام استخدموا «العرقسوس» لرفع ضغط الدم المنخفض، وفي الخليج استخدموا «اللومي» اللهضم، وفي السودان استخدموا «الكركديه» والآبري للترطيب العميق. إن «فرحة الشربة الأولى» عند الأذان هي لحظة الارتواء الجسدي والروحي، التي تجعل الصائم يشعر بأن «كل قطرة ماء هي رسالة شكر للسماء».
****
إن مشروبات الظمأ في الوجدان العربي هي «أنهار صغيرة» تجري في عروق البيوت كل رمضان. من «كوب الجلاب» في بيروت إلى «كوب الحلو مر» في الخرطوم، ومن «فيمتو» الخليج إلى «سوبيا» مصر، تظل هذه الأباريق شاهدة على وحدة الذائقة العربية، وقدرة هذا الشعب على تحويل «العطش» إلى فن، و»الارتواء» إلى ذاكرة. سيظل لكل مشروب حكاية، ولكل إبريق رائحة، تذكرنا دائماً بأن رمضان هو شهر «الري» الذي لا ينتهي بانتهاء الكوب، بل يمتد ليروي الروح بالسكينة والجمال.











































































