اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١ نيسان ٢٠٢٦
إن طرح قضية المسيحيين في الجنوب لا يعني البتة حصر المسألة في إطار طائفي بحت؛ فهم بطبعهم غير أيديولوجيين ولا يحملون مشاريع خاصة عابرة للحدود. كل ما في جعبتهم التاريخية، وما يمكن أن يقدموه، هو قيم الحرية والتعددية والإخلاص للبنان فقط. هم صادقون في ذلك؛ فمتى تآلفوا مع المكونات الأخرى، عاشوه بكل بصدق وأمانة، إذ إن هذه العناصر أصيلة في تكوينهم الثقافي والإيماني.
من هذا المنطلق، فإن التطرق إلى وجودهم ومعاناتهم، يهدف قبل كل شيء، إلى الحفاظ على الهوية اللبنانية للجنوب، وهذا ليس امتيازًا ولا ينمّ عن أي شكل من أشكال التمييز أو الشوفينية، بل هو مجرد إقرار بأنهم المكون الأكثر تعبيرًا عن هذه الهوية. ورغم المعاناة ودفع أثمان حرب لم يختاروها، فهم مسمرون فوق صليب تجذرهم، رافضين مغادرة بلداتهم حتى بعد أن أتى قرار سحب القوى العسكرية والأمنية من منطقتهم. وهذا يحمّل الدولة مسؤولية تاريخية لمنع استفرادهم أو عزلهم، خشية تكرار ما شهدتْه هذه المناطق في مراحل سابقة من توترات وانفلات أمنيّ، أو تحميلها تبعات ما يجري. فرسالة التجذر والبقاء التي وجهها أمس أهالي رميش ودبل وعين إبل تلخّص عمق لبنانيتهم، كأنهم يرددون أغنية فيروز: كلّن رح بفلّوا وبيبقى الجنوب. سيبقى مسيحيو الجنوب ضمانة لعودة كل الجنوبيين بعد انسحاب كل احتلال ووصاية ومتلاعب بمصيرهم.
انطلاقًا من هذه التوطئة، كشفت حرب الإسناد بمرحلتيها الأولى والثانية جملة من القراءات السوسيو - سياسية التي تستوجب التوقف عندها:
بين السفارة البابوية والسفارة الإيرانية
تحت هذا العنوان، يبرز اتجاهان متناقضان في المنهج المقارن. فعلى المستوى الدبلوماسي- السياسي، تنقسم نظرة الخارج إلى الدولة اللبنانية بين رؤيتين يمثلهما سفيران وسفارتان، تلخصان مفاهيم العلاقات الدولية كما الحياة والموت، والحرب والسلام.
في بئر حسن، حيث مقر السفارة الإيرانية الذي هو في الحقيقة الميدانية غرفة عمليات لـ الحرس الثوري، تعتبر لبنان غنيمة، جارية وساحة حرب وجبهة متقدمة للدفاع عن أمن الجمهورية الإسلامية. سفراؤها يمارسون التقية السياسية عبر تسويق خطابات رنانة عن احترام السيادة وعدم التدخل، بينما يُغرِقون الجنوبيين في دوامة من الدماء والنزوح والتهجير. وتحت ستراتهم الدبلوماسية، يرتدون أجهزة البيجر. يخرقون أمن المناطق المدنية لجعلها عرضة للاستهداف الإسرائيلي. كما لم يسبق لدولة أن تبجّحت ولو لفظيًّا على سيادة لبنان كما فعلت طهران حين فاخرت على لسان قادتها كقاسم سليماني وغيره، بأن بيروت باتت العاصمة الرابعة المنضوية تحت لواء إمبراطوريتهم، إلى جانب بغداد ودمشق وصنعاء.
عمادة السلك الإنساني والدبلوماسي
في أعالي حريصا، وتحت أنظار سيدة لبنان، تربض السفارة البابوية كواحةٍ يفوح منها طيب السلام ويتركز فيها هَمُّ استقرار لبنان. ولعل من المفيد التذكير، بأن الكنيسة الكاثوليكية هي من أرست الحجر الأساس للنظام الدبلوماسي العالمي؛ فلقب سفير (Ambassador) ظهر وتطور جوهريًّا بفضلها، وهو المشتق أصلًا من المصطلح اللاتيني المسيحي القديم (Ambactus) الذي يعني الخادم. إذ كان الباباوات سبّاقين في ابتكار السلك الدبلوماسي منذ القرن الخامس، عبر إرسال مبعوثين دائمين (Apocrisiarii) إلى البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، ما أسس لمفهوم التمثيل الدبلوماسي المقيم بدلًا من البعثات الموقتة. وتقديرًا لهذه العراقة التاريخية، كرّس العرف الدولي (وأكدته لاحقًا اتفاقية فيينا) منح السفير البابوي (النونسيوس) أسبقيةً دائمة ليكون عميدًا للسلك الدبلوماسي في الدول التي تتبادل التمثيل مع الفاتيكان. ولم يقتصر دور الكنيسة على الممارسة، بل تعداه إلى التأهيل العلمي بتأسيسها عام 1701 الأكاديمية الكنسية البابوية في روما، كأقدم مدرسة دبلوماسية في العالم.
من هذه العراقة التاريخية المتجذرة في علاقة الفاتيكان بلبنان، يبرز دور السفير البابوي باولو بورجيا اليوم، مقتفيًا أثر أسلافه في تجسيد صورة السامري الصالح والخادم الأمين؛ فيترك طمأنينة المقر ليقصد خطوط النار.
في ظل هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها لبنان، وفي وقتٍ تضطلع فيه الكنيسة أكانت الكاثوليكية/ المارونية أو الأرثوذكسية بمؤسساتها الاجتماعية والإغاثية بدور السند الأكبر لأبناء الجنوب، مسيحيين وغير مسيحيين، سجّل السفير البابوي حضورًا استثنائيًا تقدّم فيه على كافة المرجعيات الروحية. فلم تمنعه المخاطر من زيارة الشريط الحدودي مرارًا، منها ثلاث زيارات في شهر آذار وحده، تنقّل خلالها بين قرى أقضية صور ومرجعيون وبنت جبيل، ليؤكد أن السفارة ليس مجرد هيئة دبلوماسية، بل هي حضورٌ وجداني بجانب المتألمين. لقد تحوّل مقرّها في حريصا إلى المقصد الأول والوجهة الأساسية لوفود البلدات المسيحية الحدودية، التي ترى فيه الملاذ الذي يحمل صوتها وهموم كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين إلى المحافل الدولية بأمانةٍ مطلقة.
وهذه المقارنة تشمل أيضًا معظم السفارات العربية والغربية، فوحدها السفارة الإيرانية تسبب الحروب والدمار، فيما سفارات الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، الدول العربية، لا تدعم سوى الشرعية والمؤسسات، ولم تساعد عسكريًّا إلا الجيش اللبناني والقوى الأمنية. لم تطلب من الدولة يومًا أن تساندها في حروبها، لم ترسل اللبنانيين مرتزقة إلى ساحات القتال في العراق وسوريا وغيرهما. في حين لم تصدّر إيران للبنان سوى السلاح وأدوات الخراب.
صمود القرى الصرفة وتآكل البلدات المختلطة
في هذا الإطار، كُتب الكثير عن صمود المسيحيين في الجنوب، حيث يتوزع وجودهم الأساسي ضمن تجمّعَيْن كبيرَيْن: الأول في منطقة بنت جبيل (دبل، عين إبل، رميش، القوزح وعلما الشعب المهجرّتين)، والثاني في قضاءي مرجعيون وحاصبيا (القليعة، جديدة مرجعيون، برج الملوك، دير ميماس، كوكبا، راشيا الفخار).
وإلى جانب هذه البلدات ذات الغالبية المسيحية الصرفة، يبرز واقع أكثر مأسوية في القرى المختلطة التي نادرًا ما يُسلط الضوء عليها، مثل يارون، برعشيت، صفد البطيخ في قضاء بنت جبيل. هذه القرى التي كانت في أغلبيتها مسيحية، تآكلت ديموغرافيًا منذ ما قبل عام 1975؛ فرغم متانة نسيجها الاجتماعي مع المحيط الشيعي، إلا أنها كانت الأكثر سدادًا لضريبة الحروب وغياب السياسات الراعية للتنوع. وفي المقابل، نجد أن القرى المسيحية الصرفة حافظت على كينونتها، بل شهدت ازدهارًا سكانيًا وعمرانيًا يفوق بلدات في العمق المسيحي اللبناني.
أما في القرى ذات الخليط (المسيحي - الدرزي) مثل إبل السقي وحاصبيا والماري وغيرها من قرى وبلدات قضاء حاصبيا، فقد نجح الأهالي في الحفاظ على حضورهم وتنوعهم، مما جعلها نماذج للاستقرار الاجتماعي الذي حمى هذه المناطق من الانجرار إلى حروب الآخرين على أرضها.
خيار لبنان حماية الجنوب
في الختام، إزاء حملات التخوين التي تشنها ماكينات الممانعة ضد المسيحيين والدروز والسنة وكل صوت شيعي معارض يرفض رهن الجنوب لمشاريع خارجية أو حتى البوح بأنه ضد الحرب، ثمة حقيقة جوهرية تؤكدها الوقائع؛ فكلما نجح المنطق المسيحي ولو مرحليًا في تغليب منطق الدولة، كان ذلك صمام أمان لجميع المكونات اللبنانية دون استثناء. ولنا في محطة 1920 خير دليل؛ فلولا انتصار خيار لبنان الكبير على توجهات مؤتمر وادي الحجير (24 نيسان 1920) الذي نادى بدمج جبل عامل بحكومة الملك فيصل، لكان الجنوب، بمختلف طوائفه، إما جزءًا من الدولة السورية أو خاضعًا للسيادة الإسرائيلية. إن التاريخ يعيد نفسه؛ فكلما سقطت الدولة، من اتفاق القاهرة وصولًا إلى هيمنة حزب الله، دفع الجنوبيون الثمن الأغلى. إن الانضواء تحت لواء الكيان اللبناني يبقى الخيار الأقل كلفة مقارنة بالمشاريع العابرة للحدود، والعبرة تكمن في شجاعة صياغة نظام جديد يحمي الجميع.











































































