اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في 'البناء'
تضع بعض التقارير الدبلوماسية المتداولة تعليقاً على أزمة غرينلاند، ما يجري منذ قمة آلاسكا في خانة اتفاق تقول إنه أبرم بين الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، وتضيف أن الاتفاق يدور حول تفكيك الاتحاد الأوروبي، حيث انتهت وظيفة الاتحاد من وجهة نظر أميركية وصار قيداً على سياسات المصالح التي تنتجها أميركا، بينما هو أصلاً منتج جرى إعداده لاستهداف روسيا، وتقول التقارير إن أميركا التي كانت ترفض طيلة سنوات الحرب الباردة وجود صيغة للوحدة الأوروبية ولو بصيغ منخفضة المستوى، وافقت على اتحاد أوروبيّ بعملة موحدة وإزالة الحدود والجمارك بين دول الاتحاد لسبب وحيد، هو تحمل دول غرب أوروبا أعباء وأكلاف اكتساب دول شرق أوروبا الخارجة من العباءة السوفياتية، لقطع الطريق أمام اكتسابهم مجدداً من روسيا.
– تصدّعت الزراعة في دول غرب أوروبا حتى الانهيار، وصعد اليمين في أوروبا على خلفية تمثيل مصالح المزارعين والدعوة لتفكيك الاتحاد الأوروبي، وزحفت البضائع الآتية من شرق أوروبا بأسعار مخفضة وتدفقت اليد العاملة الرخيصة من الأوروبيين الشرقيين وارتفعت نسب البطالة في دول الغرب الصناعيّة، وتحمّلت الدول الأوروبية الغنية من نمو اقتصاداتها مسؤولية حماية سعر العملة الموحّدة اليورو، لتستفيد من قدرته الشرائيّة شعوب الدول الفقيرة في أوروبا، ورغم أداء غرب أوروبا للمهمة وتحمل الأكلاف العالية، فشلت مهمة إسقاط روسيا بعد حرب أوكرانيا ولم تعُد هناك حاجة لهذه المهمة.
– عطلت أوروبا تطبيق اتفاقات مينسك الخاصة بأوكرانيا بطلب أميركي لاستدراج الرئيس الروسي إلى شن الحرب على أوكرانيا، واتخاذ الحرب سبباً أوروبياً وأميركياً لفرض عقوبات قاتلة على روسيا لتنهار عملتها ومصارفها ونظامها السياسي بفعل ذلك. اتفاقات مينسك تعطي روسيا أقل بكثير من تسوية الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروضة على الطاولة الأوروبية، وأوروبا التي خسرت فرصة تطبيق اتفاقات مينسك خسرت أكثر إمدادات النفط والغاز الروسية، بفرضية أن هذا يؤذي روسيا فدفعت هي الثمن، واشترت النفط والغاز من أميركا بأربعة أضعاف السعر الروسي، وها هي أوروبا العاجزة عن تحمّل مواصلة حرب أوكرانيا دون أميركا تواجه ساعة الحقيقة بهزيمة مدوّية أمام روسيا خرجت من أميركا إلى ضفة الوسيط، والسؤال المطروح هل دنت ساعة التخلص من الاتحاد الأوروبي وفتح الباب لتقاسم أوروبا كساحة نفوذ ونفط وغاز بين روسيا وأميركا؟
– يعتقد بعض قادة أوروبا أن أميركا لن تغامر بترك أوروبا تنهار، وهم يتوهمون أن أميركا لا زالت تخوض معركة الدولة الأولى في العالم، بينما أميركا في مأزق لا مجال معه لترف الدولة الأولى، ويبدو الانكفاء نحو القارة الأميركية كما قالت استراتيجية الأمن القومي الأميركي الصادرة قبل شهر، طريقاً حتمياً لخوض معركة السيطرة على موارد القارة القريبة، وخوض معركة الاستحواذ على ما يمكن من الأصول لتحسين شروط السيطرة على كتلة الدين المتعاظمة، واستحقاقات سندات الخزينة الوشيكة والبالغة 4,6 تريليون دولار حتى شهر أيار المقبل، في ظل تراجع الدولار كعملة ودائع أو عملة تبادل تجاري، وبينما يحل الذهب مكان الدولار في حفظ الثروات كعملة ائتمانية، وينخفض الدولار كعملة ائتمانية من 80% إلى 56%، بينما يتوزع التبادل التجاري بين الدولار والعملات المحلية لدول مثل روسيا والصين والهند وإيران والبرازيل وفنزويلا، وبسبب مكانة الصين كزبون أول في سوق النفط تتخلّى السعودية ودول الخليج عن حصرية تسعير النفط بالدولار، ويتراجع التبادل التجاري بالدولار من 94% إلى 74%، بحيث لم تعد عملية تغطية استحقاقات الدين بطبع العملة التي كانت تتربّع على عرش العالم قبل أن تؤدي العقوبات الأميركية على عشرات الدول إلى النزوح من الدولار.
– تفكيك الاتحاد الأوروبي سوف يتيح التخلص من اليورو الذي يحظى بـ 10-12% من سوق المبادلات التجارية، وإضافة غالبية هذه النسبة الى التبادل بالدولار والتسبب بتوفير فرصة تغطية استحقاقات تعادل 20 تريليون دولار من الديون عبر طباعة دولارات تغطي هذه النسبة، وهذا سبب كافٍ لترامب لخوض صفقة تفكيك الاتحاد الأوروبي، وهي صفقة مربحة لروسيا التي تستعيد نفوذها في العديد من الدول الأوروبية بصيغ جديدة تقوم أساساً على تجارة النفط والغاز والحبوب، وبزوال الاتحاد الأوروبي لا مانع من زوال حلف الناتو، واستيلاء واشنطن على ممتلكات الدول الأوروبية العقارية في ما تبقى من المستعمرات، وغرينلاند ليست إلا بداية، تماماً كما ورثت أميركا النفوذ الأوروبي في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
– يعتقد بعض الأوروبيين أنهم إذا هددوا بتفكيك حلف الناتو سوف يدفعون ترامب لإعادة النظر بالسطو على غرينلاند، ولا ينتبهون إلى أن ترامب لا يأبه لبقاء الحلف أو زواله، وإن السيطرة على غرينلاند أغلى من الناتو، مثلما أن السيطرة على حصة اليورو من سوق العملات أغلى من بقاء الاتحاد الأوروبي.











































































