اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
جنان العلي
إذا كان الإنسان محكوماً بنشاطٍ عقيم يتكرّر طوال حياته، وإذا كان العالم، في جوهره، صامتاً إزاء أسئلته الوجودية، فما الذي يجعله، مع ذلك، راغباً في الاستمرار والعيش؟ بهذا السؤال الإشكالي يفتتح ألبير كامو مقالته الشهيرة أسطورة سيزيف، واضعاً القارئ مباشرة أمام المأزق الوجودي الحديث. فالمسألة عند كامو لا تتعلّق بالبحث عن معنى جاهز للحياة، بل بتحديد ما إذا كان غياب المعنى يستدعي التخلّي عن الحياة ذاتها. من هنا تتحوّل الأسطورة الإغريقية من حكاية ميثولوجية إلى أداة فلسفية لمساءلة علاقة الإنسان بالفعل، بالزمن، وبالاستمرار داخل عالمٍ لا يقدّم ضمانات.
تنطلق قراءة كامو من أسطورة إغريقية بسيطة في ظاهرها: سيزيف، المحكوم عليه بدحرجة صخرة إلى أعلى الجبل لتعود فتهوي في كل مرة، إلى الأبد. غير أنّ هذه البساطة تخفي صُورةً رَمزيةً ووجودية. فالعقاب الحقيقي لا يكمن في الجهد الجسدي، بل في التكرار وفي انعدام الغاية النهائية. هنا يتشكّل مفهوم العبث، بوصفه التوتر القائم بين رغبة الإنسان العميقة في الفهم والمعنى، وبين لا مبالاة العالم وصمته إزاء هذه الرغبة. غير أنّ كامو لا يتوقّف عند توصيف العبث، بل يبحث في كيفية العيش داخله. ويتجلى جوهر موقفه في التمييز بين مرحلتين في مهمة سيزيف: مرحلة الفعل، أي دفع الصخرة، ومرحلة الوقفة أو النزول، حين يراقب سيزيف صخرته تتدحرج من جديد. في هذه اللحظة بالذات يولد الوعي. فالإنسان، حين يعترف بأن مهمّته بلا جدوى دون اللجوء إلى أوهام ميتافيزيقية أو تعزيات زائفة، يحوّل العقاب إلى معرفة، والإكراه إلى موقف.
سيزيف اليوم لم يعد شخصية أسطورية فقط، بل موظفاً، معلّماً، عاملاً، أمًّا، أو شاباً يبحث عن موقعه في عالم مكتظّ بالصور وفقير بالمعنى. يدفع صخرته كل يوم، وقد تكون الصخرة عملاً رتيباً ومرهقاً، مهمةً يوميةً متكرّرةً، توقّعاتٍ اجتماعيةٍ خانقةٍ، أو سباقاً لا ينتهي نحو الاعتراف الزائف. ففي الحياة الروتينية، ينخرط الإنسان في أفعاله بوصفها ضروراتٍ لا تُناقَش: العمل، الالتزام، الاستمرار. أمّا التفكير في هذه الأفعال بوصفها اختيارات ممكنة، فيفتح فَجْوَةً في رتابة الوجود، لكنه يحمّل الإنسان مسؤولية ثقيلة. ولهذا، يتجنّب كثيرون لحظة الوعي، لأنها تعني الاعتراف بالحرية وما يترتّب عليها.
هنا تتجلّى أهمية أسطورة سيزيف في العصر الحالي. فالإنسان المعاصر يعيش وضعاً سيزيفياً بامتياز: يعمل، يكرّر، ينجز، ضمن أنظمة إنتاج واستهلاك لا تمنحه معنى نهائياً. صخرة اليوم لم تعد حجراً، بل وظيفة لا تشبه صاحبها، ديوناً متراكمة، توقّعات تفوق الامكانيات. غير أنّ ما يجعل هذا الوضع خانقاً أو مقبولاً ليس ثقل الصخرة في حدّ ذاته، بل درجة الوعي بها. فحين يدفع الإنسان صخرته بلا وعي، يتحوّل العبث إلى سحق. أمّا حين يعترف بأن ما يفعله بلا معنى، دون أن يتخلّى عن الفعل ذاته، فإنه يستعيد حريته الداخلية. عندها، يصبح الوعي فعل مقاومة، ويغدو التمرّد موقفاً أخلاقياً لا ثورة صاخبة. لذا نواصل الدفع، ليس لأن للصخرة غاية، بل لأننا نرفض أن نُختزل إلى أدوات صامتة.
ومن هذا المنطلق، تتجلّى عبارة كامو الشهيرة: «يجب أن نتخيّل سيزيف سعيداً». هذه السعادة لا تعني إنكار المعاناة أو تمجيد الألم، بل تمثّل موقفاً وجودياً واعياً. فالسعادة، في هذا السياق، هي نتيجة القبول بالعبث دون الخضوع له، والاستمرار في الفعل بوصفه اختياراً لا قدراً. إنّ قبول العبث بوعي لا يعني الاستسلام، بل التمرّد الصامت عليه. نحن جميعاً سيزيف؛ نعيش عقابه، لكن بصخورٍ مختلفة. غير أنّ الاختلاف لا ينحصر في ثقل الصخرة، بل في موقع الوعي منها. بعضنا يدفعها باسم الضرورة، وبعضنا باسم الأمل، وقليلون فقط يدفعونها وهم يعلمون أنّها ستسقط. والأقسى من السقوط، ألّا نملك ترف التوقّف، ولا وهم الخلاص. نستمرّ، لا لأن الطريق يقود إلى معنى، بل لأن الوعي في حد ذاته أصبح عبئنا الأخير.
ختاماً: الحياة بما لها وما عليها هي صخرة في مجملها، إما أن نجعلها نعمة لنا أو نخلق منها نقمة علينا، وإما أن نستسلم أو نقاوم. إما أن نفتتها ونبني بحباتها جبالاً من النعم، وفضاءً واسعاً من الرضا الداخلي، أو نترك صخورها تسحق كل ما بنيناه من قيم وفَضائل وأحلام، فتصبح الحياة خراباً يبتلع صمتنا وإرادتنا. لا يقترح كامو حلاً نهائياً لمشكلة العبث، ولا يعد بالخلاص. لكنه يقدّم أخلاقاً وأسساً للعيش في عالم بلا ضمانات. في زمن تتكاثر فيه الصخور وتتقلّص فيه مساحات التفكير، يصبح الوعي فعلاً أخلاقياً، والتمسّك بالحياة، رغم عبثها، شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية. فسيزيف لا ينتصر لأنه يبلغ القمّة، بل لأنه لا يسمح للصخرة أن تُلغي وعيه. وهكذا يصبح الفعل والاستمرار المأزوم، موقفاً وجودياً كاملاً: لا يطلب الخلاص، ولا يبرّر العبث، بل يتحمّل التجربة الإنسانية بصمتٍ واعٍ. ويبقى السؤال الوجودي اليوم: هل نحن من يدفع الصخرة فعلاً، أم نتحرّك داخل مسارات دُفِعت مسبقاً باسم الضرورة والكفاءة؟











































































