اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٩ أذار ٢٠٢٦
قبل أن تغزو الشاشات البيوت، وقبل أن تسرق المنصات الرقمية انتباه البشر، كان لليل رمضان «سلطان» واحد يلتف حوله الجميع؛ إنه «الحكواتي». ذلك الرجل الذي لم يكن يحتاج إلا لكرسي عالٍ (دكة)، وكتاب قديم، وربابة، وحنجرة تتقن فن التلوين، ليأخذ الصائمين في رحلة عابرة للزمان والمكان. إن الحكواتي في الوجدان العربي ليس مجرد قاصٍ، بل هو «حارس المخيلة» ومربي الأجيال، الذي حول مقاهي القاهرة ودمشق وبغداد، ومجالس الخليج والجزيرة، إلى مسارح حية تُستعاد فيها بطولات «عنترة» وتغريبة «بني هلال».
•تاريخ «فن القص» في رمضان.. من الحلقات إلى المقاهي تضرب جذور الحكواتي في التراث العربي إلى «القصاصين» الذين كانوا يجلسون في المساجد والميادين لوعظ الناس وقصص الأنبياء. يذكر المؤرخ ابن الجوزي في كتابه «القصاص والمذكرين» أن القص كان وسيلة لنقل القيم والبطولات. ومع العصر المملوكي والعثماني، انتقل هذا الفن إلى «المقاهي الشعبية» التي كانت تزدحم في ليالي رمضان. يذكر المقريزي في «الخطط» أن لكل مقهى في القاهرة حكواتياً متخصصاً؛ فمنهم من يقرأ «سيرة الظاهر بيبرس»، ومنهم من يبرع في «ألف ليلة وليلة». وفي دمشق، يصف ابن كنان في «يوميات شامية» كيف كان «الحكواتي» يمثل شخصية رسمية لها وقارها، حيث يتوقف عن الكلام في اللحظات الحاسمة ليجبر المستمعين على العودة في الليلة التالية، فيما عُرف تاريخياً بـ «التشويق الرمضاني».
•الحكواتي في الخليج والجزيرة.. «المطوع» و«الراوية» في دول الخليج العربي (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، لم يأخذ الحكواتي دائماً شكل «المهنة المحترفة» كما في الشام، بل كان «الراوية» أو «كبير السن» في المجلس هو من يقوم بهذا الدور. -قصص البحر والصحراء: في ليالي رمضان، كان الغواصون القدامى في الكويت والإمارات والبحرين يقصون حكايات «البحر» وأساطير «خطاف رفاي» وسحر الأعماق. -الرواية النبطية: في نجد والمنطقة الشمالية من السعودية، يبرز «الراوية» الذي يحفظ آلاف الأبيات من الشعر النبطي وقصص المعارك والوفاء والجود. يذكر أن «السمر الرمضاني» كان يعتمد على «السالفة» (القصة الحقيقية الممزوجة بالحكمة)، حيث يجتمع الشباب حول كبار السن لتعلم تاريخ القبائل وقيم الصحراء. في عمان تبرز حكايات «السفر السندبادي» والرحلات إلى أفريقيا والشرق، حيث يمتزج الواقع بالخيال في قصص تروى تحت ضوء القمر في «السبلة».
•«سيرة الظاهر بيبرس» و«أبو زيد الهلالي».. أبطال الليالي كان للجمهور العربي «أبطال» لا يتغيرون في رمضان: -أبو زيد الهلالي: قصة «التغريبة» التي هزت الوجدان من نجد إلى المغرب العربي. كان الحكواتي في صعيد مصر وتونس يغني السيرة الهلالية على وقع «الربابة»، معتبراً أبا زيد رمزاً للدهاء والفروسية. -عنترة بن شداد: قصة الحب والبطولة التي كانت تُقرأ في مقاهي دمشق وبغداد، حيث كان الجمهور ينقسم إلى مشجعين لـ «عنترة» ومبغضين لخصومه، وقد تصل الانفعالات أحياناً إلى حد العراك الحقيقي انتصاراً للبطل! الظاهر بيبرس: الحاكم الذي تحول إلى أسطورة شعبية في القاهرة، حيث كانت تُروى سيرته لتعزيز الشعور بالفخر والانتصار.
•الحكواتي في المغرب العربي.. «الحلقة» وسحر «جامع الفنا» في المغرب وتونس والجزائر، يتخذ القص طابعاً ساحراً يُعرف بـ «الحلقة». في مراكش، يُعد الحكواتي (القايدي) أيقونة رمضان. يلتف الناس حوله في دائرة سحرية، مستمعين لقصص «جحا» و«الخرافات الأندلسية» والرحلات العجيبة. في تونس يبرز «الفداوي»، وهو فنان مسرحي بالفطرة، يروي الحكايات الشعبية التونسية بلهجة موسيقية، وغالباً ما تتضمن قصصه حكماً دينية وأخلاقية تناسب روحانية الشهر، وتُقام هذه الجلسات في المقاهي العتيقة بـ «نهج الباشا» و«المدينة القديمة».
•الحكواتي في بيروت القديمة.. سهر في ظلال التاريخ في بيروت، كان الحكواتي جزءاً أصيلاً من «مقاهي البسطة» و»ساحة البرج». كان الحكواتي يبدأ جلسته بـ «البسملة» والصلاة على النبي، ثم يبدأ بسرد «قصص المروءة» التي تهدف لتهذيب نفوس الشباب. كان البيروتيون يعتبرون الحكواتي «مفتياً اجتماعياً»، حيث كان يربط بين القصة والواقع، ويقدم نصائح غير مباشرة للجمهور، وسط جو من الدخان المتصاعد من «الأراجيل» ورائحة «الجلاب».
•الانتقال من «الحكواتي» إلى «المسلسل» الرمضاني «المسلسل الرمضاني» المعاصر هو «الحفيد الشرعي» للحكواتي القديم. لقد تحولت «الدكة» إلى شاشة، وكتاب السيرة إلى «سيناريو». لكن الفرق الجوهري يكمن في «التفاعل الحي»؛ فالحكواتي كان يعدل قصته بناءً على ردود فعل الحاضرين، بينما المشاهد اليوم متلقٍ صامت. إن الحنين لزمن الحكواتي هو حنين لـ «الكلمة المنطوقة» التي كانت تجمع القلوب قبل العيون، وتجعل من الخيال ملكية جماعية لكل الساهرين.
•الأثر التربوي.. الحكاية كمدرسة للأخلاق لم تكن حكايات رمضان للتسلية فقط، بل كانت وسيلة لـ: -حفظ اللغة: من خلال الاستماع للفصحى وسجع الكلام. -غرس القيم: فالبطل دائماً هو الصادق، الكريم، والمدافع عن الحق. -التواصل بين الأجيال: حيث يذوب الفارق بين الصغير والكبير في حضرة «السر المروي». -تسلية الصائم: تخفيف مشقة النهار وبعث الأمل في النفوس من خلال قصص الانتصارات والفرج بعد الشدة.
****
إن الحكواتي في الوجدان العربي هو «ذاكرة الأمة» التي لا تشيخ. ورغم صخب التكنولوجيا، يظل في داخل كل منا حنين لذلك الصوت الذي يبدأ بـ «كان يا ما كان.. في قديم الزمان». من «حلقات» المغرب إلى «دواوين» الخليج، ومن «مقاهي» الشام إلى «أزقة» مصر، يظل القص هو الخيط الحريري الذي يربطنا بجذورنا. سيظل رمضان هو شهر «الحكاية» التي لا تنتهي، والدرس الذي يُحفظ بالقلب، لنؤكد دائماً أننا «أمة بيان» تعشق الجمال وتنتصر للبطل النبيل في كل زمان ومكان.











































































