اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
لن تكون زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان التي يبدأها غدًا الأحد مناسبة تُسجّل في روزنامة الزيارات، بل تبدو كأنها استعادة لنبض قديم يعرفه هذا الحبر الأعظم أكثر ممّا يتوقع كثيرون. رجل أميركيّ المنشأ، لاتينيّ التكوين، وشرقيّ البصيرة، يصل إلى بلد لم يلامس تفاصيله اليومية، لكنه رافقه طويلًا في مخيّلته الروحية وفي نظرته إلى العالم. فابن الثقافة الأميركية المعتدلة، التي تميل دائمًا إلى الدفاع عن الفئات المهمّشة وترفض التشدّد الحزبي، صاغته تجربته الطويلة في البيرو، هناك حيث الفقر يستنزف الإنسان وتجار المخدّرات يفرضون سلطانهم، وحيث بنى قناعاته بعيدًا من حسابات القوة وقريبًا من حاجات الذين لا صوت لهم.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: كيف تشكّلت علاقة البابا لاوون بلبنان وهو لم يعش فيه؟ الإجابة تكمن في لبنان الذي دخل إليه عبر الكتاب المقدّس. لبنان الأرز والنبوءات، لبنان الذي استُخدم مرارًا ليقارب به المسيح في عمق اللاهوت. فحين وقف يوم انتخابه أمام الكرادلة مستحضرًا حرمون وما يحيط به، وربط ذلك باعتراف بطرس أنت المسيح ابن اللّه الحي، بدا واضحًا أنه يتحدث عن بلد يسكن في ذاكرته الروحية قبل أن يلتقيه على أرضه.
ومع ذلك، فالبابا لاوون ليس غريبًا عن الواقع الكنسي اللبناني. فاختياره عام 2019 من قبل البابا فرنسيس، في ذروة الانهيار اللبناني، ليكون الكاردينال المشرف على تعيين الأساقفة اللاتين حول العالم، وضع بين يديه ملفات دقيقة للكنيسة بجميع فروعها. والنهج السينودوسي الذي تبناه الفاتيكان أتاح له مشاركة رؤساء الدوائر في بحث الملفات المشتركة، ما جعله مطّلعًا على شؤون الكنيسة اللبنانية والتعقيدات الداخلية.
ويبقى السؤال الآخر: هل يمتلك البابا لاوون تأثيرًا فعليًا على المسارات السياسية الكبرى، وخصوصًا الأميركية؟ الواقع أنه لا يقف في ظلّ أي إدارة أميركية، ولا يعبّر عن مصالح أي جناح. فقد وجّه انتقادات مباشرة للرئيس دونالد ترامب في قضايا تتعلّق بحقوق الإنسان ومنطق الحياة، وواجه جمعيات أميركية ترفع شعار الدفاع عن الجنين بينما تدعم الموت الرحيم وتعادي مهاجري أميركا اللاتينية. وفي مقاربته الحرب في غزة، تقدّم بموقف غير مألوف حين قال: علينا أولًا التأكّد أن ما يحدث هو إبادة، ثمّ وضع ما يجري في خانة الجرائم ضد الإنسانية، خصوصًا بعد الاعتداء على الكنيسة الوحيدة في غزة، وظلّ على تواصل دائم مع كاهنها المحاصر.
ولذلك، يكتسب قدومه إلى لبنان بُعدًا يتجاوز الحسابات السياسية. فهو لا يأتي ليطرح حلولًا جاهزة، بل ليقول إن التحوّلات الجيوسياسية في الشرق لا يحق لها تجاهل ما يمثله لبنان أو أن تكون على حسابه. يأتي ليعيد إبراز القيمة الوجودية للمسيحيين في الشرق، وللرموز الروحية اللبنانية وعلى رأسها مار شربل، الذي يرى فيه البابا لاوون نموذجًا للقداسة التي تنبت من الأرض وتصمد بالصمت. وقوفه في موقع انفجار المرفأ لن يكون موقفًا احتفاليًا، بل تأكيدًا أن العدالة ليست خيارًا بل ضرورة، وأن الحقيقة لا يمكن دفنها.
وإصراره على تنظيم لقاء بصيغة أسيزي يجمع رؤساء الطوائف المسيحية والمسلمة في صلاة واحدة، هو رسالة إلى العالم بأن صيغة العيش المشترك ليست وهمًا ولا ترفًا، وأن انهيارها في لبنان سيكون خسارة أخلاقية وإنسانية وحضارية.
لكن جوهر الأسئلة يبقى في مكان آخر: هل اللبنانيون قادرون على التقاط هذا النفس الجديد؟ هل أصحاب القرار السياسي والديني مستعدون لأن يرتقوا إلى مستوى النظرة التي يحملها الفاتيكان للبنان؟ التجربة الممتدّة منذ عهد البابا بولس السادس تؤكد أن الكرسي الرسولي ظلّ يرى في لبنان قيمة لا تُقدّر، بينما أبناؤه يتنازعون على تفاصيل صغيرة تلتهم جوهر الدولة ورسالتها.
زيارة البابا لاوون الرابع عشر بما هي موعد روحي استثنائي، فهي أيضًا فرصة كي يرى اللبنانيون أنفسهم من جديد. والسؤال معلّق على إرادتهم: هل يفتحون الباب لهذه القراءة المختلفة، أم يواصلون الدوران في الحلقة القديمة نفسها؟











































































