اخبار لبنان
موقع كل يوم -يا صور
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
من طاقات تنتظر الفرصة إلى أجيال تبتكر المستقبل وتعيد رسم مكانة العالم العربي.
أولًا: الثروة التي لا تُقاس بالأرقام
ليست أعظم ثروات الأمم ما تختزنه أرضها، بل ما تحمله عقول أبنائها من قدرة على التفكير والابتكار وصناعة التغيير. وفي عالم تتبدّل فيه موازين القوة بسرعة، لم يعد السؤال كم نملك من الموارد، بل ماذا نستطيع أن نصنع بالمعرفة التي نملكها. فالشباب العربي ليس مجرّد جيل يرث واقعًا صنعه غيره؛ إنه طاقة قادرة على المشاركة في صياغة واقع جديد، إذا وجد التعليم الجيد والفرص العادلة والمؤسسات التي تؤمن بكفاءته.
ثانيًا: تعليم يصنع العقول لا الشهادات
لا يُقاس نجاح التعليم بعدد الشهادات التي يمنحها، بل بقدرته على إعداد إنسان يفكّر باستقلالية، ويحلّل المشكلات، ويحوّل المعرفة إلى حلول. يحتاج الشباب إلى جامعات تربط النظريات بالتطبيق، وتفتح أبواب البحث العلمي، وتمنح التجربة والابتكار مكانتهما الحقيقية. فالعالم لا ينتظر مزيدًا ممن يكررون ما أُنجز، بل يحتاج إلى من يطوّرونه ويضيفون إليه. والشهادة بداية الطريق، أما القيمة الحقيقية فتظهر فيما يستطيع صاحبها أن يقدّمه.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي واختبار المستقبل
يفتح الذكاء الاصطناعي أبوابًا جديدة أمام الطب والصناعة والهندسة والتعليم والإدارة، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مصيريًا: هل سيبقى شبابنا مستخدمين للتكنولوجيا، أم سيصبحون شركاء في تطويرها وصناعة حلولهم الخاصة؟ لا يحتاج كل شاب إلى أن يكون مبرمجًا، لكن كل شاب يحتاج إلى فهم العالم المتغيّر من حوله. والطموح الأكبر أن تنتقل المنطقة العربية من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن استيراد الحلول وحده إلى المشاركة في ابتكارها.
رابعًا: من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرص
لا تُبنى الاقتصادات القوية بالانتظار وحده، بل بتهيئة الظروف التي تسمح للأفكار بأن تتحوّل إلى مؤسسات ومشروعات وفرص عمل. غير أن مطالبة الشباب بريادة الأعمال لا تكفي إذا غاب التمويل العادل، وتعقّدت الإجراءات، وضعفت حماية المبادرات الجديدة. المطلوب بيئة تكافئ الكفاءة، وتحمي المنافسة، وتتيح للشاب أن يبدأ من قدرته واجتهاده، لا من علاقاته وامتيازاته. فالابتكار ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة تمنح الأفكار فرصة حقيقية للنمو.
خامسًا: الهجرة وحق الإنسان في الاختيار
حين يغادر شاب بلده بحثًا عن فرصة، لا يجوز اختزال قراره في ضعف الانتماء؛ فمن حق الإنسان أن يسعى إلى حياة كريمة ومستقبل آمن. لكن الخسارة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الرحيل الطريق الأوضح أمام أصحاب الكفاءات، فيما تعجز بلدانهم عن توفير ما يمكّنهم من البناء والعطاء. ولا تكون الإجابة بإلقاء اللوم على المغتربين، بل بإقامة جسور تربطهم بأوطانهم، وتفتح أمامهم فرص الاستثمار والبحث والعمل والمشاركة. فالوطن الذي يريد أبناءه إلى جانبه، عليه أن يمنحهم أسبابًا حقيقية لاختيار البقاء.
سادسًا: مسؤولية مشتركة لا وعود موسمية
لا يستطيع الشباب وحدهم إصلاح اقتصاد، أو تحديث مؤسسات، أو ضمان عدالة الفرص. فالدولة مسؤولة عن السياسات والقوانين، والجامعات عن جودة التعليم، والقطاع الخاص عن الاستثمار وخلق الوظائف، والمؤسسات عن احترام الكفاءة وتكافؤ الفرص. وفي المقابل، تقع على الشباب مسؤولية تطوير مهاراتهم، والاستمرار في التعلّم، والتحلّي بالمبادرة والانضباط. إنها شراكة بين جيل يريد أن يتقدّم ومؤسسات يجب أن تفسح له المجال. ولا يمكن بناء مستقبل جديد بعقلية تخشى التغيير ثم تطالب الأجيال الجديدة بصناعته.
سابعًا: المستقبل لا يُمنح… بل يُصنع
إن مكانة العالم العربي في المستقبل لن تحدّدها الشعارات التي يرفعها عن شبابه، بل الفرص التي يتيحها لهم، والمعرفة التي ينتجها، والعدالة التي يحميها، والمشروعات التي تنمو بجهود أبنائه. فالشباب ليسوا وعدًا مؤجلًا، ولا أرقامًا في الإحصاءات، بل عقول وأحلام وطاقات قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات. والتاريخ لا يمنح مكانته لمن ينتظرون أن يتغيّر العالم، بل لمن يستعدّون للمساهمة في تغييره.
إن الرهان الحقيقي ليس أن نترك للشباب عالمًا جاهزًا يرثونه، بل أن نبني معهم عالمًا يستحقون أن يعيشوا فيه، ويستطيعون أن يفخروا بما أضافوه إليه.
راشد شاتيلا











































































