اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
كان لبيروت قلبٌ ينبض بالنور، وشارعٌ يحمل في زواياه أسرار البهجة التي لا تُنسى. شارع الحمراء، ذلك الممر السحري الذي كان يحوّل برودة الشتاء إلى دفءٍ يسكن الأرواح، وعتمة الليل إلى احتفالٍ من الأضواء والألوان. كنا ننتظره طوال العام، نحلم به في صمت الصيف وضجيج الخريف، نترقّب تلك اللحظة التي يبدأ فيها العمال بتعليق الأنوار، فنعرف أن عيد الميلاد ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل روحٌ تسكن المكان وتعانقنا جميعاً. هنا، في هذا الشارع، كانت بيروت تكتب قصيدتها السنوية للفرح، وكنا نحن المحظوظين الذين نقرأها بأعيننا قبل قلوبنا...
قبل حلول العيد بأسابيع، تحديداً في أواخر تشرين الثاني، كان شارع الحمراء يشهد حركة غير عادية من التحضيرات. كان الشارع يكتسي بحلّة العيد المميّزة تدريجياً، يوماً بعد يوم، حتى يصل إلى ذروة جماله قبل أسبوع من عيد الميلاد.
واجهات المحلات التجارية كانت تتزيّن باللونين الأحمر والأخضر، تلك الألوان التقليدية التي كان الناس ينتظرونها من عام لعام ليتمتعوا بزهوّ بريقها. الشرائط الحمراء الضخمة كانت تُربط حول أعمدة الإنارة، والأكاليل الخضراء المزينة بالتوت الأحمر الاصطناعي كانت تُعلق على أبواب المحلات. النوافذ كانت تُطلى بثلج اصطناعي أبيض، وترسم عليها مشاهد شتوية رغم أن بيروت نادراً ما ترى الثلوج.
كان الشارع يصبح مشعّاً متلألئاً بالأنوار المختلفة التي تضفي أجواءً من الفرح والمحبة في النفوس المبتهجة بالعيد واحتفالاته. الإضاءة لم تكن موحّدة بل متنوعة ومبتكرة. أضواء بيضاء تحاكي النجوم، وأضواء ملونة تتبدّل بين الأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، وأضواء على شكل نجوم وأجراس وملائكة، تُعلق بين المباني من جهة إلى أخرى، مشكّلة سقفاً ضوئياً يمتد على طول الشارع.
ليلاً، كان شارع الحمراء يتحوّل إلى مسرح من النور، حيث تشتعل الإضاءة وتنطفئ تباعاً بشكل انسيابي ومنتظم، خالقة عرضاً ضوئياً مجانياً يستمتع به المارة. كانت ساعة السابعة مساءً هي اللحظة السحرية التي تُضاء فيها كل الأنوار دفعة واحدة، وكان الناس يتجمعون خصيصاً في تلك اللحظة ليشهدوا التحوّل الدراماتيكي للشارع من حالته النهارية العادية إلى قصر ليلي مضيء.
شجرة الميلاد كانت سيدة الموقف، متأهبة دائماً أينما حطّت الأنظار. لم تكن هناك شجرة واحدة فقط، بل عشرات الأشجار منتشرة على طول الشارع: أمام كل محل كبير، وعند كل تقاطع رئيسي. كانت الأشجار مزيّنة بالأضواء الملونة والأجراس والكرات الذهبية والفضية، والشرائط الحريرية، والملائكة الصغيرة، ونجوم مضيئة على قممها.
بعض المحلات كانت تستأجر مصممين متخصصين لتزيين أشجارها. هؤلاء المصممون كانوا يعتبرون تزيين الأشجار فناً راقياً، ويقضون ساعات في ترتيب كل كرة وكل قطعة زينة بدقّة حتى تكون النتيجة متوازنة وجميلة من كل الزوايا.
وكان صوت فيروز في أغنية «ليلة عيد» يرافق المشهد، كأنه يحاول أن يخفف من سرعة المدينة وناسها الذين يبدون على عجلة من أمرهم لاستقبال المناسبة المجيدة بأفضل ما لديهم. هذه الأغنية التي لحنها الأخوان رحباني كانت قد أصبحت نشيد الميلاد اللبناني بامتياز.
المحلات كانت تشغّل هذه الأغنية على مكبرات صوت موضوعة عند مداخلها، فيختلط صوت فيروز القادم من عشرات المحلات ليملأ الشارع بأكمله. إلى جانب أغاني فيروز الميلادية الأخرى مثل «تلج تلج يا هالتلج» و«مجّدوا المسيح»، كانت الأغاني الميلادية العالمية تُشغّل أيضاً.
المقاهي الرصيفية كانت تنافس بعضها في الديكور الخارجي والداخلي. واجهاتها الزجاجية الواسعة كانت تُحوّل إلى لوحات فنية؛ مشاهد من القرى الأوروبية المغطاة بالثلوج، أو غابات من أشجار الصنوبر، أو حتى مشاهد من بيروت القديمة في زمن العيد.
داخل هذه المقاهي، كانت شجرة ميلاد كبيرة توضع في الزاوية، وأكاليل الزينة تُعلق على الجدران، وشموع حمراء مضاءة توضع على كل طاولة. الموسيقى كانت خافتة ورومانسية، والنوادل يرتدون قبعات حمراء صغيرة على شكل قبعة «بابا نويل».
بعض محلات الأنتيكات في شارع الحمراء كانت متخصصة في بيع قطع الزينة الأثرية والنادرة، التي كان يبحث عنها الجامعون وعشاق التحف. كرات ميلادية عمرها مئة عام من العصر الفيكتوري، مصنوعة من الزجاج المنفوخ يدوياً بتقنيات قديمة، ومطلية بألوان طبيعية، كانت معروضة في خزائن زجاجية مقفلة.
نزولاً باتجاه شارع «بلس»، حيث ينحدر شارع الحمراء نحو البحر، كان لا بد من التوقف عند سور الجامعة الأميركية في بيروت. الجامعة كانت تحرص إدارتها سنوياً على تزيين إحدى الشجرات العملاقة والمعمرة بزينة الميلاد، مستعينة بسيارة إطفاء للتمكّن من الوصول إلى أعلاها.
عملية التزيين كانت تتم عادة في أول أسبوع من شهر كانون الأول، وكانت حدثاً بحد ذاته يأتي الناس خصيصاً لمشاهدته. العمال كانوا يلفّون الأضواء حول الشجرة من أعلى إلى أسفل بطريقة حلزونية منتظمة، وعلى قمة الشجرة، كانت تُثبت نجمة ضخمة مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة.
كانت هذه الشجرة المضيئة محطة للفرجة ولالتقاط الصور التذكارية، ومَعلماً ميلادياً ينتظره الجميع كل عام. العائلات البيروتية كانت تضمّن زيارة الشجرة في جولتهم الميلادية السنوية.
ورغم أن السنوات مرّت وتغيّرت الوجوه والأحوال، يبقى شارع الحمراء في تلك الأيام محفوراً في ذاكرتنا كأجمل ما يمكن أن تقدمه مدينة لأبنائها. كان أكثر من مجرد شارع مُضاء؛ كان وعداً بأن الفرح ممكن، وأن الجمال قادرٌ على أن يجمعنا رغم كل الاختلافات. كلما مررنا اليوم في ذلك المكان، نستعيد بعض ذلك البريق الذي كان يملأ عيوننا صغاراً، ونتذكّر أن في مكانٍ ما من الزمن، كانت بيروت تعرف كيف تصنع السحر من الأضواء والأغاني والأشجار المزينة. شارع الحمراء لم يكن مجرد شاهد على أعيادنا، بل كان شريكاً فيها، وذكرى لا تُمحى من قلوبنا التي ما زالت تبحث عن ذلك النور في كل عيد.











































































