اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٦ أب ٢٠٢٦
لم يعد لبنان أمام أزمة يمكن احتواؤها بتسوية جديدة أو بوعود إضافية بالإصلاح، فالعهد والحكومة يواجهان اليوم اختباراً يتجاوز إدارة الانهيار، ويتمثل في إعادة بناء الدولة على أساس واضح، يبدأ باستعادة قرارها السيادي وينتهي بإعادة فرض القانون ومحاسبة من أضعفها ونهب مقدراتها.
في المسار الأول، تبدو السيادة في صلب المرحلة المقبلة. فلبنان لا يستطيع أن يبقى دولة بقرارين، ولا أن يكون ساحة مفتوحة أمام صراعات الآخرين. حصرية السلاح والقرار الأمني والعسكري، وضبط الحدود، وإعادة قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الشرعية، لم تعد عناوين مؤجلة، بل أصبحت أساساً لأي دولة تريد أن تستعيد موقعها وعلاقاتها وثقة الخارج بها.
وفي المسار الثاني، تأتي الإصلاحات التي باتت المطالب الأميركية والدولية بشأنها أكثر صرامة. فلم يعد المطلوب قوانين تكتب على الورق، بل إصلاح مالي ومصرفي وقضائي فعلي، ووقف الهدر، وتعزيز الشفافية، ومكافحة غسل الأموال، وفتح ملفات الفساد بعيداً عن الحمايات السياسية. فالدولة التي تطلب الدعم من الخارج مطالبة أولاً بإثبات أنها قادرة على حماية أموالها ومؤسساتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
لكن الأهم أن المسارين ليسا منفصلين. فالدولة التي تستعيد سيادتها ولا تحارب الفساد تبقى ضعيفة من الداخل، والدولة التي تحاسب الفاسدين من دون أن تستعيد قرارها السيادي تبقى عاجزة عن حماية ما تحققه. لذلك فإن المعركة الحقيقية هي معركة استعادة الدولة بكل أوجهها، قراراً ومؤسسات وقضاء ومالاً عاماً.
وهنا يمكن للعهد والحكومة تحويل الضغط الأميركي والدولي من عبء سياسي إلى فرصة وطنية. فالمطلوب ليس تنفيذ الإصلاحات لأن الخارج يريدها فحسب، بل لأن لبنان يحتاج إليها للخروج من الانهيار واستعادة الثقة. وإذا كان الخارج يضع شروطاً صارمة، فإن المسؤولية اللبنانية هي أن تجعل من هذه الشروط نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة، لا مادة جديدة للمساومات والتأجيل.
المرحلة المقبلة يجب أن تضع الجميع أمام قاعدة واحدة، لا سلاح خارج الدولة، لا قرار فوق المؤسسات، لا مال عام بلا رقابة، ولا فاسد فوق القانون. وعندما يصبح القضاء قادراً على الوصول إلى أصحاب النفوذ كما يصل إلى المواطن العادي، ويصبح من تثبت إدانته خلف القضبان، تبدأ الدولة باستعادة هيبتها التي فقدتها طوال عقود.
لبنان لا يملك ترف الانتظار أكثر. المطلوب من العهد والحكومة أن يثبتا أن المرحلة الجديدة ليست مجرد تغيير في الخطاب، بل تغيير في قواعد اللعبة. دولة تستعيد قرارها في الخارج، وتستعيد أموالها وهيبتها في الداخل، وتضع الفاسدين خلف القضبان أياً كانت مواقعهم، هي وحدها القادرة على استعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي معاً.











































































