اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٢ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، لم يكن رمضان يمر بسلام على القصور كما يمر على العامة، بل كان «امتحاناً» لهيبة الحاكم وقدرته على تجسيد قيم العدل والجود. فخلف الأسوار العالية، وفي أروقة القصور الأموية والعباسية والفاطمية وصولاً إلى العصر العثماني، كان لرمضان «إيقاع سلطاني» خاص؛ حيث تخفت أصوات السيوف وتعلوا أصوات المصلين، وتتحول الدواوين من مراكز للقرار السياسي إلى مراكز للقرار الإنساني. إن «رمضان السلطاني» ليس مجرد وليمة فاخرة في القصر، بل هو مراسم معقدة تبدأ بـ «الركب العظيم» لرصد الهلال، وتنتهي بـ «العيدية» التي تُوزع على الرعية. تروي لنا هذه الحلقة كيف كان الخلفاء والسلاطين يروضون أنفسهم على الصيام، وكيف جعلوا من قصورهم «موائد للرحمن» تجسد مفهوم «الراعي المسؤول».
•الأمويون في دمشق.. بساطة النشأة وأبهة المُلك.
كان الخلفاء الأمويون، وهم القريبون عهداً بالحياة العربية البسيطة، يحرصون في رمضان على المزج بين القيادة والقدوة. يذكر المؤرخون أن عمر بن عبد العزيز كان يرفض أن يُطبخ له طعام خاص في رمضان، بل كان يأكل مما يأكل منه عامة الناس في «بيت المال»، مؤكداً أن رمضان هو شهر «المساواة تحت راية الجوع».
أما في عهد هشام بن عبد الملك، فقد بدأ التأنق في «موائد الإفطار»، حيث كانت تُقام في «قصر الرصافة» مآدب تجمع وجهاء القبائل والفقراء معاً، وكان الخليفة يخرج بنفسه للإشراف على توزيع «الأعطيات الرمضانية» لضمان وصولها إلى مستحقيها في أصقاع البادية والشام، معتبراً أن إطعام الرعية في رمضان هو أوج السيادة.
•العباسيون في بغداد.. «ليالي النور» ومجالس العلم.
في بغداد، عاصمة العلم والترف، اتخذ رمضان طابعاً معرفياً وسخياً.
-مجالس «هارون الرشيد»: يذكر أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» أن الرشيد كان يخصص ليالي رمضان لـ «المناظرات الفقهية» و«مجالس الأدب». كان القصر يغص بالعلماء والشعراء، وتُوزع في نهايتها صرر الدنانير والجوائز، فيما كان يُعرف بـ «إكرام العلم في شهر الوحي».
-«أطباق المأمون»: عُرف عن الخليفة المأمون أنه كان يفرش مائدة بطول إيوان القصر، وكان يدعو إليها عامة الناس، ويحرص على أن يكون «الملح والخبز» أول ما يوضع، تواضعاً لله في هذا الشهر، ورسالةً مفادها أن الجميع أمام مائدة الخالق سواء.
•الفاطميون في القاهرة.. «عصر الحلوى» ومواكب الرؤية.
يُعد العصر الفاطمي هو «العصر الذهبي» لمراسم رمضان السلطانية في مصر؛ فهم من أرسوا قواعد الاحتفال الشعبي والرسمي الذي نراه اليوم.
-دار الفطرة: أسس الفاطميون مؤسسة رسمية ضخمة تسمى «دار الفطرة»، كانت تبدأ عملها منذ رجب لتصنيع آلاف الأرطال من «كعك العيد» والحلويات الرمضانية (مثل القطائف والخشاف) لتوزيعها على الشعب، في طقس يربط السلطة بالبهجة الشعبية.
-موكب الخليفة: كان الخليفة يخرج في أول يوم رمضان في موكب مهيب بملابسه البيضاء الموشاة بالذهب، يحيط به «العساكر» و»المبخرون»، وكان الناس يصطفون على الجانبين ليس خوفاً من السلطة، بل حباً في «البشرى» التي يحملها الخليفة ببدء الصيام وتوزيع «المكرمات».
•المماليك.. «سلاطين الخير» ومدفع الرفق.
في عهد المماليك، ارتبط رمضان بـ «الأوقاف» والصدقات الجارية التي لا تزال آثارها باقية:
-السلطان الظاهر بيبرس: كان يشتهر بـ «مواكب الصدقات»؛ حيث كان يطوف الحارات ليلاً متنكراً ليتفقد أحوال الرعية ويسمع شكواهم وهم صائمون.
-السلطان الغوري: يذكر ابن إياس في «بدائع الزهور» أن السلطان الغوري كان يقيم «ختمة للقرآن» في القلعة كل ليلة، وكان يوزع آلاف الأرطال من اللحم على الفقراء يومياً. في عهدهم، أصبح القصر السلطاني هو «المخزن الاستراتيجي» الذي يضمن ألا تجوع القاهرة في رمضان مهما غلت الأسعار.
•العثمانيون.. «الخرقة الشريفة» وبروتوكول «المحمل».
في العصر العثماني، اكتسب رمضان السلطاني صبغة دينية مهيبة تربط عواصم الخلافة:
-زيارة الخرقة الشريفة: كان السلاطين في «طوب قابي» بإسطنبول يخصصون منتصف رمضان لزيارة «الخرقة النبوية الشريفة»، وهي مراسم يحضرها كبار رجال الدولة، وتُوزع فيها «مناديل السلطان» المعطرة كذكرى بركة للخاصة والعامة.
-موائد «الإبراهيمية»: كان السلطان يأمر بفتح أبواب القصور لتقديم ما يُسمى بـ «صواني السلطان» للمصلين في الجوامع الكبرى، وكان يُمنع أن يُغلق باب القصر في وجه سائل طوال ليالي العشر الأواخر، فيما عُرف بـ «حق الضيف الصائم».
•معنى «السلطان الصائم».
في الوجدان العربي، كان يُنظر إلى السلطان الصائم على أنه «أب للرعية» وليس مجرد حاكم. فكرة أن الحاكم «يجوع» مثل محكومه، كانت تذيب الاحتقان السياسي وتخلق نوعاً من «السلم الاجتماعي» المؤقت. وكان العرب يعتقدون أن «دعوة السلطان العادل» عند فطره هي دعوة مستجابة تحفظ أمن البلاد من القحط والفتن، مما جعل من رمضان «موسماً للمصالحة» الوطنية والاجتماعية بين القصر والشارع.
•هل انتهى «رمضان السلطاني»؟
مع تحول القصور إلى رئاسات ودول حديثة، تغيرت المظاهر لكن الجوهر بقي ثابتاً؛ فلا تزال «مآدب الإفطار الرسمية» التي يقيمها الملوك والرؤساء العرب للعلماء والأيتام والدبلوماسيين هي الوريث الشرعي لموائد الخلفاء. ومع ذلك، يظل «رمضان السلطاني» في الذاكرة هو تلك اللحظة التي كان فيها الحاكم يخلع تاجه ليضع جبهته على السجاد بجانب الرعية في صلاة التراويح، مؤكداً أن رمضان هو «السلطان الحقيقي» الذي تخضع له كل الرقاب والقلوب.











































































