اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٤ شباط ٢٠٢٦
في منتصف شعبان، وقبل أن يُفتح باب رمضان على مصراعيه، تستعيد صيدا واحدة من أكثر طقوسها حلاوة ودفئًا: «حلاوة النص»، أو ما يُعرف محليًا بـالجزارية. ليست مجرد حلوى موسمية، بل موعد روحي واجتماعي، يعلن بدء العدّ التنازلي للشهر الفضيل في مدينة المآذن والبحر.
ورغم أن اسمها يوحي بالجزر، فإن الجزارية تُصنع من اليقطين، بلونها البرتقالي الدافئ الذي منحها التسمية الشعبية. في النصف الثاني من شعبان، تحضر على موائد البيوت الصيداوية، وتُقدَّم للضيوف، أو تُحمل كهدية محمّلة بالودّ والبركة.
منذ أكثر من ثمانية عقود، ارتبطت صيدا بهذه الحلوى حتى باتت علامة تراثية مسجّلة باسم المدينة. عائلات صيداوية احترفت صناعتها، وحفظت سرّها جيلاً بعد جيل، من بينها عائلة الأرناؤوط، التي لا تزال حتى اليوم تشعل النار تحت الحلل النحاسية، محافظة على الطقس كما ورثته عن الآباء والأجداد.
في أحد أحياء صيدا القديمة، يعمل المعلم عمر أرناؤوط مع شقيقه خالد، مستعيدَين حرفة تعلّماها من والدهما الحاج محمود، حيث تبدأ الرحلة من قطاف اليقطين في الربيع، وتخزينه أشهرًا، قبل أن يُقشَّر ويُبرَش ويُنقَع بماء الكلس، ثم يُطهى على نار قوية مع القطر وماء الزهر، حتى يبلغ القوام والنكهة اللذين يعرفهما الصيداويون جيدًا.
ويبلغ الإقبال على الجزارية ذروته في منتصف شعبان، تمسّكًا بالسنة والعادة، حيث يصوم كثيرون نهارهم، وتُتلى السيرة النبوية، وتُوزَّع الحلوى كفعل محبة وتواصل اجتماعي.
ورغم الأزمات الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان، وارتفاع أسعار المواد الأولية، لم تنكسر هذه العادة. قد تقلّ الكمية، لكن الرمزية تبقى. فكيلو واحد من الجزارية يكفي ليحفظ الطقس، ويؤكد أن صيدا، مهما اشتدت الأزمات، لا تفرّط بذاكرتها.
ومع اقتراب رمضان، تعود المدينة لتزهو بحلوياتها التقليدية: المدلوقة، حلاوة الجبن، العثملية، القطايف، الشعبيات… مترافقة مع التمر الهندي، والجلاب، والعرق سوس. لوحة رمضانية كاملة، تتجدّد كل عام، وتؤكد أن صيدا لا تستقبل الشهر الفضيل فقط، بل تحتفي به بطريقتها الخاصة.











































































