اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٥ شباط ٢٠٢٦
رحل سهيل منيمنة اليوم على حين غفلة، كما ترحل الأشياء الجميلة التي نظنّها باقية إلى الأبد.
رحل الصيدلي الدقيق، والباحث العاشق، وابن بيروت الذي لم يكتفِ بالعيش فيها، بل حملها في قلبه وذاكرته وعدسته ودفاتره.
لم يكن سهيل مجرّد موثّقٍ لتاريخ بيروت، بل كان حارسًا أمينًا لروحها ونبضها. أسّس «جمعية تراث بيروت» لا بوصفها مؤسسة، بل لتكون في الحفظ والصون، بوصفها وعدًا بالوفاء للمدينة. عبر آلاف الصور واللقطات والوثائق، أعاد سهيل منيمنة إلينا شوارعها وأزقّتها وبيوتها القديمة، ووجوه ناسها، وضجيج أسواقها، بل تاريخها القريب والبعيد، حتى صمت أحجارها. رأى في كل حجرٍ قصة، وفي كل نافذةٍ ذاكرة، وفي كل حيٍّ سيرةً كاملة.
رافق بيروت في حلوها ومرّها منذ عقود، في سلمها وحروبها، في ازدهارها وجرحها. لم يهرب منها حين اشتدّ الخراب، بل اقترب أكثر، يصوّر ويكتب ويشرح ويشهد. كان يشرح أسماء الشوارع والأحياء كما يشرح الأب سيرة أولاده، بمحبةٍ وصبرٍ وحرصٍ على الحقيقة.
وثّق «إنسان بيروت» قبل أن يوثّق مبانيها؛ رأى المدينة في البشر الذين يسكنونها، في فرحهم وحزنهم، وفي تطلعاهم وآمالهم، لا في عماراتها وشوارعها فقط. لذلك كان عمله أكثر من أرشيف: كان فعل حبٍّ عميق، ودرسًا في المواطنة، ورسالة ثقافية وإنسانية.
اليوم نفتقده كصديقٍ وكباحثٍ وكذاكرةٍ حيّة. ومع رحيله يبرز السؤال الذي يؤلمنا: من يحمل الشعلة بعده؟
لعلّ أفضل تكريمٍ له أن نحملها جميعًا، أصدقاء وباحثين وطلابًا وأبناء مدينة، كلٌّ بطريقته، حتى لا تنطفئ ذاكرة بيروت التي أفنى عمره في صونها.
وداعًا يا صديقي سهيل... وإلى اللقاء.











































































