اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ١٠ شباط ٢٠٢٦
في مشهدٍ مؤلم يختصر قسوة الواقع، رحل شابان في عزّ عطائهما وقوّتهما الجسدية أثناء ممارسة الرياضة، النشاط الذي يُفترض أن يكون عنوانًا للصحة والحياة. الشاب محمد علي دعبول، لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، والشاب ألان باسيل الذي كان في ثلاثينياته، سقطا فجأة خلال مشاركتهما في نشاطين رياضيين مختلفين، ما يطرح علامات استفهام موجعة: كيف يمكن لشباب في عمر الورد، يتمتعون ببنية جسدية جيدة ويمارسون الرياضة، أن يواجهوا الموت بهذه القسوة؟ وكيف يتحوّل الجهد البدني من مساحة أمان إلى خطرٍ قاتل؟ هذه الأسئلة الثقيلة فرضت نفسها بقوة على الرأي العام والوسط الرياضي، وفتحت باب القلق حول سلامة الرياضيين الشباب ومدى كفاية الإجراءات الطبية المتّبعة.
بعد مرور يومين على حادثتي الوفاة المفاجئة اللتين هزّتا الوسطين الرياضي والشبابي، لا تزال تداعيات رحيل الشابين محمد علي دعبول وألان باسيل تتفاعل، وسط حزن واسع وتساؤلات متزايدة حول أسباب السقوط المفاجئ أثناء ممارسة الرياضة. فقد توفي دعبول خلال مشاركته في سباق نصف الماراتون في جبيل، فيما فارق باسيل الحياة أثناء مشاركته في بطولة مصارعة الذراع في ذوق مصبح، في حادثتين أعادتا إلى الواجهة ملف سلامة الرياضيين الشباب والاستعدادات الطبية المرافقة للأنشطة الرياضية.
هاتان الحادثتان أعادتا إلى الواجهة مجموعة من التساؤلات الحساسة حول أسباب الوفاة المفاجئة لدى الرياضيين الشباب: هل يعود السبب إلى حالات صحية كامنة غير مكتشفة؟ هل للضغوط البدنية والتدريبات المكثفة دور في ذلك؟ وإلى أي مدى تتوافر الجهوزية الطبية والإسعافية اللازمة خلال الأنشطة والمسابقات الرياضية؟
وقد أثارت الوفاتان حزنًا واسعًا، إذ نعت ثانوية الحريري الثانية طالبها محمد علي دعبول، مؤكدةً أنه كان مثالًا في الأخلاق والسلوك الحسن. كما نعت جمعيات تعليمية وخيرية الشابَين، مشيدةً بحسن خلقهما وحبهما للخير، وحفظ دعبول للقرآن الكريم، ومعربةً عن مواساتها الحارة لعائلتيهما وأصدقائهما. وفي موازاة ذلك، يترقّب المجتمع الرياضي نتائج التحقيقات والفحوصات الطبية لتحديد الأسباب الدقيقة للوفاة.
وفي إطار البحث عن تفسير علمي وطبي لهذه الحالات، أوضح طبيب القلب الدكتور نادر الغريب، في حديث لموقع «لبنان الكبير»، الأسباب الطبية المحتملة وراء الوفاة المفاجئة بين الرياضيين الشباب، مثل الشابين اللذين توفيا مؤخرًا أثناء ممارسة الرياضة.
وأشار د. الغريب إلى أن أسباب الوفاة تختلف بحسب الفئة العمرية، موضحًا أنه لدى الرياضيين الذين تجاوزوا سن 35 عامًا، غالبًا ما ترتبط الحالات بمشاكل في شرايين القلب أو انسدادها. أما لدى الرياضيين الشباب، فقد تكون الوفاة ناجمة عن تضخّم عضلة القلب الناتج عن عوامل وراثية، أو عن اضطرابات كهربائية في القلب تؤدي إلى عدم انتظام ضرباته أو توقفه المفاجئ أثناء المجهود البدني. وأضاف أن وجود تاريخ عائلي لحالات فقدان وعي مفاجئ أو وفيات غير مفسّرة في سن مبكرة يرفع من مستوى الخطورة.
وفي ما يتعلق بالفحوصات الأساسية التي يُفترض بالرياضيين الشباب إجراؤها قبل المشاركة في السباقات أو التدريبات المكثفة، شدّد د. الغريب على أهمية إجراء الفحص السريري القلبي، وتخطيط القلب الكهربائي، وفحوصات الجهد القلبي، إضافةً إلى متابعة ضغط الدم وإجراء التصوير الصوتي للقلب عند الحاجة.
كما حذّر من أن التدريب المكثف دون راحة كافية أو فقدان السوائل والأملاح المعدنية، مثل البوتاسيوم والصوديوم، قد يزيد من خطر التعرّض لمضاعفات قلبية مفاجئة. وأكد ضرورة الانتباه إلى أي أعراض غير طبيعية أثناء ممارسة الرياضة، مثل الدوخة أو تسارع ضربات القلب، والتوقف فورًا عن النشاط الرياضي واستشارة الطبيب المختص.
وختم د. الغريب حديثه بتوجيه ثلاث نصائح أساسية للرياضيين الشباب:
إجراء الفحوصات الطبية اللازمة بشكل دوري.
تعويض السوائل والمعادن المفقودة أثناء المجهود البدني.
التوقف الفوري عن أي نشاط رياضي عند ظهور أعراض غير طبيعية وعدم تجاهل إشارات الجسم.
ومن الجانب الميداني والخبرة العملية في رياضات الجري والتحمّل، أجرى موقع «لبنان الكبير» حديثًا مع المحامية والعداءة لؤى زعرور، التي شاركت في السباق الأخير في جبيل واحتلت المركز الثالث في فئة السيدات. شدّدت زعرور خلال اللقاء على أهمية التحضيرات الجسدية والفحوصات الطبية قبل المشاركة في سباقات الجري الطويلة، لا سيما بعد حادثتي الوفاة الأخيرتين خلال نشاطين رياضيين مختلفين، أحدهما في نصف ماراثون والآخر في بطولة مصارعة الذراع.
وأوضحت زعرور أن هناك التباسًا شائعًا لدى البعض حول مفهوم “الماراثون”، مشيرة إلى أن السباق الكامل يُعرف بمسافة 42 كيلومترًا فقط، في حين تبلغ مسافة نصف الماراثون 21 كيلومترًا، ولا يجوز إطلاق تسمية ماراثون على أي سباق أقصر من ذلك. ولفتت إلى أن السباق الذي شارك فيه الشاب يوم الأحد الماضي كان نصف ماراثون، وهو سباق تحمّل طويل، لكنه أقل من المسافة الرسمية للماراثون الكامل.
وشدّدت زعرور على أن التحضير للسباقات الطويلة لا يقتصر على الجري فقط، بل يتطلب تدريبًا منتظمًا تحت إشراف مدرّب مختص أو نادٍ رياضي، ما يتيح متابعة الحالة الصحية للرياضي واكتشاف أي مشاكل محتملة قبل تعرّضه لمجهود جسدي كبير. وقالت:
“المدربون والأندية يحرصون على معرفة أي مشاكل صحية أو وراثية لدى الرياضيين، وخصوصًا تلك المرتبطة بالقلب، لأن بعضها لا يظهر إلا عند بذل مجهود مكثف.”
وأضافت أن بعض الحالات الصحية الخطيرة، مثل تضخّم عضلة القلب أو الاضطرابات الكهربائية القلبية، قد تكون وراثية وتنتقل ضمن العائلة، وقد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو توقف مفاجئ في ضربات القلب أثناء ممارسة الرياضة. وأكدت أن الاطلاع على التاريخ الطبي العائلي يُعد عنصرًا أساسيًا في الوقاية وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر.
كما شددت على أهمية إجراء فحوصات طبية شاملة قبل المشاركة في السباقات، تشمل تخطيط القلب الكهربائي (ECG)، واختبار الجهد القلبي، والفحص السريري العام، إضافةً إلى فحوصات الدم الأساسية، ولا سيما مستوى الفيتامينات والمعادن، لضمان قدرة الجسم على تحمّل المجهود البدني. ولفتت إلى أن التغذية السليمة، وتعويض السوائل والأملاح، والنوم الكافي خلال فترة التحضير، كلها عوامل أساسية في الوقاية من المضاعفات الخطيرة.
وأشارت زعرور إلى ضرورة أن يكون الرياضي واعيًا لأي أعراض غير طبيعية قد تظهر أثناء التدريب أو السباق، مثل الدوخة أو خفقان القلب السريع، مؤكدةً وجوب التوقف الفوري عن ممارسة النشاط وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة. كما لفتت إلى أن الأندية والجمعيات الرياضية غالبًا ما تعتمد إجراءات احترازية، من بينها وجود فرق طبية أو متطوعين جاهزين للتدخل السريع في حال الطوارئ.
وختمت اللاعبة حديثها بالتأكيد على أن الوعي الشخصي والمتابعة المستمرة يشكّلان حجر الأساس في سلامة الرياضيين، مشددةً على أن أي تدريب مكثف يجب أن يتم تحت إشراف متخصص، مع الالتزام بنظام غذائي صحي، وفترات راحة كافية، ومراعاة التاريخ الطبي الشخصي والعائلي، تفاديًا لتكرار حالات مأساوية مماثلة لتلك التي شهدها الوسط الرياضي مؤخرًا.











































































