اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٧ أذار ٢٠٢٦
نمضي أعمارنا على قارعة الزمن، نحمل آمالنا الصغيرة كحقائب سفر، ونحدّق في الطريق الطويل... كأنّ الحياة ليست إلّا انتظاراً طويلاً لما قد يأتي، أو لما قد لا يأتي أبداً. ومن هذا الشعور الدائم بالترقّب، يبدأ الإنسان في طرح أسئلته الكبرى عن المصير والمعنى، ليعيش في حالة انتظار دائمة؛ انتظار حدثٍ ما، أو خلاصٍ ما، أو لحظة حاسمة تعيد ترتيب الفوضى التي تُحيط بحياته. غير أنّ هذا الانتظار، في عمقه، ليس مجرد فعلٍ زمنيٍّ عابر، بل حالة وجوديّة معقّدة تتشابك فيها الأسئلة بالآمال، واليقين بالشك، والمعنى بالعبث. من هنا تبرز قوّة مسرحيّة الكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت «في انتظار غودو»، إذ استطاع أن يحوِّل الانتظار من حدثٍ مسرحيٍّ بسيط إلى استعارةٍ فلسفيّةٍ عميقة تكشف مشكلة الإنسان المعاصر، وتجعله صورةً واقعية عن القلق الوجودي الذي يسيطر على الإنسان الحديث.
ونحن، كشخصيّتَي المسرحيّة فلاديمير وإستراغون، نقف على قارعة طريقٍ مهجورة ننتظر المخلِّص غودو على أمل أن يتغيّر وضعنا الحالي. غير أنّ هذا التغيير لا يحدث أبداً، بل يتحوّل الانتظار نفسه إلى الحدث الوحيد الذي يملأ الزمن ويمنحه معناه. ومع تكرار هذا الترقّب الطويل، تتجلّى هشاشة وجودنا، ونكتشف أنّنا أمام مأزقٍ لا مخرج منه: مأزق الانتظار.كأنّ الإنسان، في بحثه المستمر عن «المخلِّص» أو «المنقذ»، قد غرق في عبث السؤال وعبث الانتظار، بل وحتى في عبث التعريف والتصنيف. فمن هو غودو هذا الذي ننتظره؟ ذلك الذي لم يأتِ بعد، وربما لن يأتي أبداً، وقد نظل نترقّبه إلى ما لا نهاية دون جدوى حقيقيّة في المعنى الوجودي. إنّ السؤال عن غودو ليس سؤالاً عن شخصيّةٍ غامضة في نصٍّ مسرحيٍّ فحسب، بل هو سؤالٌ عن معنى الحياة نفسها، وعن الأمل الذي يعلِّق الإنسان عليه وجوده.
ولعلّ المفارقة تكمن في أنّ لكلِّ واحدٍ منّا غودوه الخاص؛ فبعضُنا يصنعه على مقاس همومه اليوميّة، والبعضُ الآخر ينحته على مقاس أحلامه، بينما يفضّل آخرون أن يكون بحجم طموحاتهم ومشاريعهم. ومع ذلك يبقى غودو لغزاً كبيراً. بل قد لا يكون هناك غودو أصلاً، وقد يكون انتظارنا له مجرد وهمٍ يمنحنا شعوراً مؤقّتاً بالطمأنينة. وربما يبدو هذا الاستنتاج مريحاً للبعض، لأنّه ينقذ الإنسان من مواجهة الفراغ الروحي والنفسي. وهل هناك ما هو أصعب على الإنسان من الانتظار والترقّب؟ فالزمن في المسرحيّة لا يتقدّم بقدر ما يدور في حلقةٍ مُفرَغة، حيث تتكرّر الأفعال والكلمات وكأنّ الوجود نفسه أصبح مؤجَّلاً. لذلك يصبح فلاديمير وإستراغون أكثر من مجرّد شخصيّتين مسرحيّتين؛ إنّهما صورتان لحالة الإنسان المعاصر، حيث يُعبِّران عن معنى الفراغ والتأمّل السطحي واللاجدوى، خاصّة عند الحديث عن أزمات الإنسان في المجتمعات الرأسمالية الحديثة، ولا سيّما فيما يتعلّق بتسليع العمل وتنميطه وتشييئه وإفراغ الشأن العام من محتواه الإنساني.
ولعلّ غودو قد يكون مجرد فكرة، فكرةً تسلُّطيّة تهدف إلى عزل البشر من خلال انغماسهم في ذواتهم، ممّا يُسهِّل السيطرة عليهم. فالتاريخ الطويل لهيمنة التسلّط على البشر، كما يصفه نعوم تشومسكي، يسعى إلى إبقاء الناس معزولين بما يكفي، بحيث يمكنهم أن يصدّقوا أو يقبلوا أيَّ شيءٍ مهما كان. وهذا ليس مجرد تأمّلٍ فلسفيٍّ في تاريخ الإنسان، بل هو جزءٌ من واقعه الاجتماعي والسياسي أيضاً، كما عبّر عنه آلان دونو بقوله إنّ «التفاهة»، بوصفها «ظاهرةً جانبيّة»، باتت «تقنية» من تقنيّات الأنظمة السياسيّة، ذات منظومةٍ وأفكارٍ وخططٍ قابلةٍ للتطبيق، تشبه «القوقعة اللامعة التي تحوي داخلها يرقاتٍ وطحالبَ التفاهة التي تتناسل في جوف السياسات المهيمنة».
في ضوء ذلك، لا يبدو انتظار غودو مجرّد تأمّلٍ فلسفيّ، بل هو أيضاً انعكاسٌ لواقعنا الاجتماعي والسياسي. فنحن اليوم ننتظر من يخلِّصنا من أزماتنا المتلاحقة، ومن حروبنا، ومن قلقنا الوجودي المتصاعد. ننتظر قائداً منقذاً، أو فكرةً مخلِّصة، أو حدثاً كبيراً يعيد التوازن إلى هذا العالم البائس المتعب المضطرب والمثقل بالأزمات. غير أنّ هذا الترقّب الطويل قد يتحوّل إلى نوعٍ من الشلل الجماعي، حيث تتعطّل الإرادة الإنسانيّة في تَوَقُّع حدثٍ قد لا يأتي أبداً.
وهكذا تتركنا مسرحيّة «في انتظار غودو» أمام سؤالٍ لا يملك جواباً نهائيًّا: هل سيأتي غودو يوماً فعلاً؟ هل هناك من سيخلّصنا من واقعنا المرير أم أنّ الإنسان، في لحظة وعيٍ صادقة، سيكتشف أنّ الخلاص الذي ينتظره لم يكن قادماً من الخارج، بل كان كامِناً في قدرته على الفعل وصناعة التغيير بنفسه؟ في النهاية، قد يكون أخطر ما في انتظار غودو ليس أنّه لا يأتي، بل أنّنا نواصل الانتظار... انتظار اللاشيء.











































































