اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
زياد سامي عيتاني - اللواء
إذا كانت الحرب العسكرية قد جردت «حزب الله» من ذراعه الردعية الثقيلة وقادت الصف الأول من هيكليته القيادية، فإن المعركة السياسية والمالية المفتوحة منذ خريف 2024 أصابت عصب قدرته التشغيلية ورعايته الاجتماعية. لم يعد التنظيم يتحرك بوصفه «دولة داخل الدولة» تملك حق الفيتو السيادي وتفرض معادلاتها على بيروت والإقليم؛ بل وجد نفسه محاصراً بقرارات حكومية رسمية غير مسبوقة، وخناق مالي أمريكي ودولي يجفف شرايين النقد، وتحولات جيوسياسية حادة سحبت منه خطوط الإسناد البري واللوجستي من دمشق إلى طهران.
الصدام مع الشرعية اللبنانية ومشروع حصر السلاح
شهد الموقف الرسمي في بيروت تحولاً جذرياً انتقل به من «المساكنة الحذرة» وسياسة التغطية على السلاح خارج إطار الدولة إلى حظر إداري وأمني صريح مستند إلى اتفاق الطائف والقرارات الدولية. تمثل التحول الأبرز في القرار التاريخي الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار 2026، والذي أعلن فيه رفض أي نشاط عسكري خارج المؤسسات الشرعية، وقرر الحظر الفوري لكافة الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، محصراً قرار الحرب والسلم بيد الحكومة اللبنانية والمؤسسات الرسمية وحدها. وجاء القرار بعد إطلاق الحزب النار على إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد الإيراني، وطالب فيه رئيس الحكومة نواف سلام الحزب بتسليم سلاحه والبقاء حزباً سياسياً، في امتداد لخطة الجيش التي أقرتها الحكومة في أيلول 2025.
وفي أيلول الماضي، جسّد رئيس الجمهورية جوزيف عون هذا التوجه السيادي بتأكيده أن «نزع السلاح أمر غير قابل للتفاوض»، مشدداً في الوقت ذاته على اعتماد الحوار وتفادي أي مواجهة مسلحة مباشرة بين الجيش والحزب لمنع الاقتتال الداخلي والفتنة الأهلية. وتزداد المعضلة تعقيداً في ظل «اتفاق الإطار» الأمريكي المؤرخ في 26 حزيران 2026، والذي يربط الانسحاب الإسرائيلي الشامل بتجريد الحزب من سلاحه؛ وهو ما واجهه نعيم قاسم بالرفض القاطع معتبراً إياه «شروط تسليم وإذلال»، في وقت يقترب فيه انتهاء تفويض قوات «اليونيفيل» في 31 كانون الأول 2026. فقد مدّد القرار 2790 ولايتها للمرة الأخيرة، على أن يبدأ انسحابها خلال عام بهدف جعل الحكومة اللبنانية المزوّد الوحيد للأمن في الجنوب، مما يضع البلاد أمام مخاطر الفراغ الأمني ما لم تُفرض ترتيبات بديلة.
الحصار المالي وتفكيك شبكات الرعاية الاجتماعية
تخوض واشنطن بالتعاون مع السلطات النقدية والمالية اللبنانية معركة موازية حاسمة تستهدف المنظومة المالية الموازية للحزب، لمنعه من إعادة بناء قدراته التسليحية ورعايته الاجتماعية لقاعدته الشعبية:
-حظر المنظومة المصرفية الموازية: أصدر مصرف لبنان المركزي في 14 تموز 2025 التعميم رقم 170 الذي منع المصارف والمؤسسات المالية من أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع كيانات غير مرخصة، وسمّى صراحة «القرض الحسن» و»بيت المال» وكيانات أخرى. وتبع ذلك في 10 شباط 2026 فرض عقوبات أمريكية على شركة «جود» بتهمة تحويل احتياطيات الذهب إلى سيولة نقدية، وهي شركة أسسها «القرض الحسن» في أيلول 2025.
-تفكيك شبكات نقل النقد الدولية: فرضت وزارة الخزانة الأمريكية و»مركز استهداف تمويل الإرهاب» خلال الفترة بين آذار ونيسان 2026 عقوبات متلاحقة شملت مؤسسة «بيت المال» وشبكات صرافة دولية اتُهمت بنقل مئات ملايين الدولارات عبر مراسلين نقديين بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران.
-انكماش مظلة التعويضات والخدمات: أدى تجفيف السيولة واستهداف المقار المادية لـ «القرض الحسن» إلى عجز الحزب عن استنساخ نموذج 2006 بتقديم تعويضات فورية وشاملة؛ حيث انتقل مطلع 2026 إلى صرف دفعات فصلية مقسطة لمتضرري الحرب في الضاحية والجنوب والبقاع، مما فرض ضغوطاً معيشية غير مسبوقة على شبكة الأمان الاجتماعي التي استند إليها الحزب لترسيخ نفوذه لعقود.
التحولات الإقليمية وتبدل التوازنات
لم تعد البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب تقدم المساندة المعهودة، بعدما تغيرت جغرافية التحالفات وقواعد الاشتباك في المنطقة بشكل دراماتيكي وسريع:
-انقطاع الشريان السوري: أدى سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 إلى فقدان الحزب لعمقه اللوجستي البري، وفرض السلطات السورية الجديدة رقابة مشددة على حدودها لمنع تهريب السلاح. ورغم أن الحدود الطويلة لم تُغلق بالكامل، فقد تباطأ تدفق السلاح والأموال عبرها بشكل حاد، كما حظرت بيروت الرحلات الإيرانية المباشرة منذ شباط 2025.
-مرونة التكتيك الإيراني: رغم إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في تشرين الثاني 2025 أن «فيلق القدس» نقل نحو مليار دولار إلى الحزب منذ مطلع 2025 عبر الإمارات وشبكات بديلة، فإن الضربات التي طالت العمق الإيراني ومقتل علي خامنئي في 28 شباط 2026 دفعا طهران إلى مسار تفاوضي تجلى في «مذكرة إسلام آباد» في حزيران. وقد ربطت إيران وقف النار بوقف القتال في لبنان، لكن المذكرة انهارت مطلع تموز، فبقي الحزب بلا مظلة تفاوضية مستقرة.
البيئة الشعبية الحاضنة بين العاطفة والكلفة
تكشف القراءة الاستقصائية الميدانية للكتلة الشعبية الشيعية المؤيدة للحزب عن مسارين متوازيين في السلوك والتوجه: تماسك عقائدي وأيديولوجي صلب تجلى في المشاركة الحاشدة بذكرى نصر الله وفي الفعاليات التأبينية المستمرة، مقابله تصاعد صامت لأسئلة الواقعية والكلفة بين النازحين والمتضررين من الحرب. لم تعد الأسئلة تقتصر على «جدوى المقاومة»، بل امتدت لتشمل قدرة التنظيم على حماية المناطق الحدودية، وتأمين كلفة إعادة الإعمار في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، وكيفية التعايش المستقبلي مع دولة تتجه بصرامة نحو حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية والجيش اللبناني.
أي صيغة لبقاء «حزب الله»؟
تثبت الوقائع الميدانية والسياسية الصارمة بعد عامين على اغتيال حسن نصر الله أن «حزب الله» لم ينتهِ كقوة سياسية ومجتمعية ذات امتداد نيابي وشعبي داخل لبنان، لكنه فقد نهائياً حقبة «فائض القوة» وقدرته على فرض مشيئته السياسية وأجندته العسكرية على الدولة والمجتمع. لم تعد المعركة المركزية تدور حول ما إذا كان الحزب يستطيع إعادة ترميم ترسانته الصاروخية السابقة، بل حول الصيغة الجديدة لوجوده ومستقبله السياسي: فإما التكيف التدريجي القسري والقبول باستراتيجية دفاعية وطنية تضع السلاح تحت المظلة السيادية للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وإما الاستمرار في مواجهة نزيف مفتوح يحاصره مالياً وسياسياً ويضعه في مواجهة مباشرة مع بيئته الداخلية والدولة والمجتمع الدولي.











































































