اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢ أذار ٢٠٢٦
ما إن يقترب رمضان، حتى تزدحم الأسواق التاريخية في الحواضر العربية بروائح تمزج بين عبق الشرق وسحر التاريخ؛ إنها روائح «الياميش». هذه الكلمة التي باتت مرادفاً للتمور والمكسرات والفواكه المجففة، ليست مجرد سلع غذائية، بل هي «عروق الذهب» التي ربطت جغرافيا العالم العربي بطرق التجارة العالمية كطريق الحرير وطريق البخور. من أسواق مكة والمدينة التي احتضنت «سيد المائدة» (التمر)، إلى «وكالات» القاهرة و«خانات» دمشق وبغداد، يروي الياميش قصة اقتصاد اجتماعي فريد، تحول فيه الطعام إلى جزء من طقوس الوجدان والهوية العربية.
•«الياميش» في اللغة والتاريخ.. قصة المصطلح والمهنة كلمة «ياميش» في أصلها ليست عربية فصحى، بل يرجح المؤرخون أنها مشتقة من اللغة التركية القديمة أو الفارسية وتعني «الفواكه المجففة». يذكر المؤرخ المقريزي في «الخطط» أن هذه التجارة ازدهرت في العصر الفاطمي والمملوكي، حيث كان يُخصص لها سوقٌ كامل يُعرف بـ «سوق النقليين» في القاهرة التاريخية (حي الجمالية)، وكان التجار يستعدون لجلب هذه البضائع قبل رمضان بأشهر. ويشير الجبرتي في «عجائب الآثار» إلى أن «الياميش» كان يُعد من السلع الاستراتيجية، حيث كانت القوافل تأتي محملة بالزبيب من بلاد الشام، واللوز والجوز من بلاد فارس والأناضول، والقراصيا (البرقوق المجفف) من أوروبا، لتلتقي جميعاً في الأسواق العربية. وفي دمشق، يصف ابن كنان في «يوميات شامية» ازدحام «سوق البزورية» قبل رمضان، وكيف كانت تُعرض «قمر الدين» (مشمش مجفف) الذي ابتكره الدمشقيون، ليكون المشروب الأهم على موائد الصائمين عبر التاريخ.
•التمور.. «سيد المائدة» وجوهر الوجدان الخليجي في دول الخليج العربي (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، لا يُعتبر التمر «ياميشاً» فحسب، بل هو «قوام الحياة» وعمود الخيمة الرمضانية. السعودية (مملكة التمور): يبرز تمر «العجوة» من المدينة المنورة، و»السكري» من القصيم، و«الإخلاص» من الأحساء. تجارة التمور في الجزيرة العربية كانت تتم قديماً عبر نظام «المقايضة»، وكان رمضان هو الموسم الذي تُفتح فيه مخازن «التمر المكنوز» ليوزع على الجميع. في الإمارات وعُمان ترتبط التمور بـ «القهوة العربية». في رمضان، تُقام «مزادات التمور» الكبرى، ويحرص الخليجيون على اقتناء أفضل الأنواع لاستخدامها في «اللقيمات» و«الخبيصة» وفي فك الريق وقت الأذان. في الكويت وقطر والبحرين: يبرز «البرحي» و«الخلاص»، وتعتبر هذه الدول محطات تاريخية لتصدير واستيراد التمور والمكسرات التي كانت تصل عبر السفن (الأبوام) من موانئ البصرة وإيران والهند، مما خلق «خلطة ياميش» خليجية تمزج بين خيرات البر والبحر.
•«وكالات» القاهرة وخانات الشام.. مراكز الإمداد الكبرى في مصر تظل «وكالة البلح» و«خان الخليلي» هما القلب النابض لتجارة الياميش. تاريخياً، كانت السفن تأتي عبر النيل محملة بالبلح من «أبريم» في النوبة، لتلتقي بالمكسرات القادمة من موانئ الإسكندرية. ابتكار المصريين لـ «الخشاف» (منقوع الياميش) جعل الطلب على جوز الهند والزبيب والقراصيا يصل لذروته في رمضان، وهو ما وثقه المستشرقون الذين دهشوا من قدرة التاجر المصري على عرض بضاعته بأسلوب فني (تنسيق الأهرامات من المكسرات). في بلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن): يبرز «قمر الدين» الدمشقي كأهم سلعة تصديرية رمضانية. يذكر أن غوطة دمشق كانت المصدر الأول للمشمش الذي يُعصر ويُجفف في «لفائف»، ليُنقل بعدها إلى كافة الأقطار العربية. وفي أسواق بيروت القديمة، كان الياميش يُباع بـ «الأوقية»، وكان الجوز (عين الجمل) هو المادة الأساسية لحشوات القطايف والكنافة التي لا تخلو منها الموائد الشامية.
•العراق والمغرب العربي.. «تمور البصرة» و«مكسرات الأندلس» يظل العراق «بلد المليون نخلة» تاريخياً، حيث كانت تمور «الزهدي» و«الساير» و«الحلاوي» تُصدر إلى العالم عبر ميناء البصرة. في رمضان، يزدحم «سوق الشورجة» في بغداد بـ «لوزينا» و«منّ السما»، وهي حلويات تعتمد على الياميش، وتُعد تجارة التمور المحشوة بالجوز من أرقى الهدايا التي يتبادلها العراقيون في هذا الشهر. في المغرب العربي (تونس، المغرب، الجزائر) يبرز «دقلة النور» (سيدة التمور) القادمة من واحات تونس والجزائر. يحرص المغاربة في رمضان على تجارة «اللوز» والسمسم (الزنجلان) لاستخدامه في صناعة «السفوف» أو «السلو» (طبق طاقة رمضاني). وتتميز الأسواق في مراكش وفاس بعرض الفواكه المجففة (التين والمشمش) بأسلوب أندلسي، حيث تُعد هذه المكونات أساسية في «الطواجن» الرمضانية التي تمزج بين المالح والحلو. خامساً: اليمن والسودان.. «زبيب الجبل» و«كركديه الصحراء» في اليمن يشتهر «الزبيب الصنعاني» (الأسود والأبيض) بجودته العالية، ويُعد من أهم سلع الياميش اليمني. يذكر المؤرخ الحجري أن أسواق صنعاء القديمة كانت تكتظ باللوز الجبلي والجوز في رمضان، حيث يُستخدم في تزيين طبق «بنت الصحن». في السودان الياميش السوداني له نكهة أفريقية؛ حيث تبرز «الكركديه» و»القرض» والتمور الجافة جداً التي تُستخدم في مشروب «الحلو مر». وتعد تجارة «الفول السوداني» والسمسم جزءاً لا يتجزأ من التحضيرات الرمضانية، حيث تدخل في معظم الأطباق الشعبية.
•طريق الحرير والبخور.. كيف وصل الياميش إلينا؟ يرى الباحثون في التاريخ الاقتصادي أن رمضان كان «المحرك السنوي» لتجارة القوافل. المكسرات (كالفستق الحلبي، والكاجو، والبندق) كانت تقطع آلاف الكيلومترات من أواسط آسيا والهند لتصل إلى بغداد والقاهرة ودمشق. هذا الانتقال لم يكن تجارياً فحسب، بل كان «انتقالاً ثقافياً»؛ حيث دخلت نكهات الزعفران والقرفة والقرنفل إلى المطبخ الرمضاني العربي عبر هذه القوافل، مما جعل الياميش «دبلوماسية ناعمة» ربطت بين الشعوب.
•الأثر الاجتماعي للياميش.. «التهادي والبركة» في الوجدان العربي، شراء الياميش هو إعلان عن «سعة الرزق» والبركة. قديماً، كان الوجهاء يوزعون «شنط الياميش» (صرر من القماش تحتوي على التمر والمكسرات) على العائلات المتعففة، لضمان أن يكون لكل صائم نصيب من هذه «الفواكه الراقية». واليوم، لا يزال تقديم «طبق المكسرات» للضيوف في السهرات الرمضانية هو قمة إكرام الضيف، حيث يجتمع الناس حول «الجوز واللوز» لتبادل الأحاديث والسمر.
****
إن ياميش رمضان ليس مجرد سلع تُباع وتُشترى، بل هو «ذاكرة عطرية» تربطنا بأجدادنا الذين استقبلوا القوافل بالفرح. من «نخلة» الجزيرة العربية إلى «مشمش» الشام و»لوز» المغرب، يظل الياميش هو «الخيط الذهبي» الذي يربط موائدنا بجغرافيا الأمة وتاريخها الحضاري. سيظل هذا التنوع في المذاقات شاهداً على أن العرب كانوا دائماً صلة الوصل بين حضارات العالم، محولين تجارة الصحراء إلى فن عيش يقطر حلاوة في كل رمضان.











































































