اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٢ أذار ٢٠٢٦
يقول الفيلسوف ديكارت:انا أفكر، اذاً انا موجود، لكن في قلب العواصف التي تضرب لبنان منذ سنوات، لم يعد التفكير وحده كافياً لاثبات الوجود، بل يجب التمتع بالقدرة على العيش والتضامن والفعل والحب، لذا تكون الصياغة: انا أفكر، أنا أحب، إذاً أنا موجود.. وأنا حيّ.
فهذا المزيج بين الوعي الفكري والقدرة على التعاطف هو الخيط الرفيع الذي يمنع المجتمعات من الانهيار التام. إنها الحقيقة التي تؤكد أن الحياة لا تستمر بالبقاء البيولوجي وحده، بل بقدرة الإنسان على الحفاظ على إنسانيته وتضامنه وسط ركام الحروب والانقسامات.
يطرح التنوع الثقافي والأيديولوجي في لبنان، دوماً كسمة بنيوية تجعله يتقاطع مع نماذج عالمية ناجحة كبلجيكا، أو كندا. ففي معظم الأوقات، تتحول التعددية إلى عنصر قوة واستقرار دون إطار قانوني موحد، لأن الاختلاف في اللّغات، أو الانتماءات لا يلغي مبدأ المساواة بل يغني الهوية الوطنية الجامعة.
ان التجربة اللّبنانية المعاصرة تكشف مفارقة حادة، فبدلاً من أن يكون هذا التنوع رافعاً للنهوض يتم استغلاله بتحويله إلى خلاف وجودي. ويؤدي النزاع الحالي، وتفاقم الانقسام السياسي إلى تحويل التنوع اللبناني من ثروة ثقافية إلى تنافر اجتماعي يورث للأجيال القادمة، هوية مشبعة بالكراهية بدلاً من المواطنة.
ولا يزال الانقسام التاريخي حول ماهية الهوية، يستخدم كمتاريس، نفسية لفصل المكونات اللّبنانية بعضها عن بعض.
واليوم تكشف الحرب الراهنة وتحديات نزوح اللّبنانيين ملامح تصدّع اجتماعي مقلق يتجاوز السياسة ليمس الجوهر الانساني.
فخلف مشهد الدمار المسيطر، يبرز صراع من نوع آخر حيث يتحول الآخر في الوطن الواحد، تحت وطأة الضغط النفسي والاقتصادي إلى مصدر ريبة وتوجس، بدلاً من أن يكون شريكاً طبيعياً في المصير. وهذا التناقض نراه يتسلل إلى مراكز الإيواء وإلى منصات التواصل الاجتماعي وحتى في الأحاديث اليومية. وليس مجرد رد فعل عابر على الحرب، بل هو انعكاس لفرز مجتمعي، يحول المناطق إلى انعزالات نفسية، قبل أن تكون جغرافية، لكي ينتقل إلى فرز طائفي وأيديولوجي حاد.
وهذا التوتر الميداني يفرض اليوم ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد. عقدٌ لا يكتفي بالوعود الشفهية، بل يأخذ شكلاً دستورياً وقانونياً صلباً يؤمن بالتوازن والاهتمام المتبادل بين المكونات، ويجعل من الوطنية واقعاً معاشاً. فنحن بحاجة إلى ميثاق، يضمن الحفاظ على الوحدة والتماسك رغم التباينات ويؤسس لدولة تحترم كرامة الإنسان ليكون فيها اللّبناني شريكاً أصيلاً في الحقوق والسيادة لا طالباً لها أو مستجدياً لإنصافٍ تأخر كثيراً.
باختصار، التنوع حقيقة إنسانية عالمية، وليس من الضرورة أبداً أن تتحول الاختلافات إلى خلافات. وفي نهاية المطاف، صراع الهويات التاريخي في لبنان ليس إلا متاريس نفسية تُستخدم لإقصاء المواطن عن حقوقه البديهية؛ فالهوية الحقيقية هي التي تجمعنا لبناء مستقبل متماسك افضل.











































































