اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ١٢ نيسان ٢٠٢٥
يُشكّل العلامة الراحل السيد محمد حسن الأمين ظاهرة فريدة في المشهد الديني والسياسي الشيعي في لبنان والعالم العربي. فهو لم يكن مجرّد فقيه تقليدي، بل كان مفكرًا إصلاحيًا وعالم دين متنورًا، اتخذ لنفسه موقعًا متميزًا في مواجهة مشروع 'التشييع السياسي' المرتبط بإيران، وسعى إلى صون هوية الشيعة اللبنانيين من الانصهار في أجندات إقليمية على حساب انتمائهم الوطني.
في وقتٍ ازداد فيه النفوذ الإيراني ضمن الطائفة الشيعية، وقف السيد الأمين ـ ومعه قلّة من المفكرين ـ ليقول: إن التشيّع ليس تبعية سياسية، بل رؤية دينية وإنسانية تسعى للعدل والحرية. مثّل مشروعه محاولة جريئة لإعادة تشكيل الوعي الشيعي بعيدًا عن ثقافة الاصطفاف والولاء المطلق، واقترب في رؤاه من العلامة الراحل هاني فحص، الذي حمل معه همّ بناء دولة مدنية تتسع للجميع، وتحرير الدين من براثن الاستغلال السياسي.
أولاً: الوعي الشيعي بين التديّن والتطييف السياسي
شهدت الطائفة الشيعية اللبنانية، منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، تحولًا عميقًا في بنيتها الفكرية والسياسية، وذلك بعد بروز حزب الله كقوة منظمة وفاعلة بدعم مباشر من إيران. وانخرطت فئات واسعة من الشيعة في منظومة الولاء العقائدي لولاية الفقيه، مما أدى إلى تراجع التنوع داخل الطائفة لحساب خطاب تعبوي شمولي، يستثمر في المظلومية ويدفع نحو الانغلاق والتصعيد.
في هذا السياق، أدرك السيد محمد حسن الأمين خطورة التحول الحاصل، فعمل على التمييز بين 'الانتماء المذهبي' و'التطييف السياسي'، منطلقًا من أن الدين يجب أن يكون عنصرًا محررًا للإنسان لا أداة بيد السلطة أو الجماعة. وحذّر مرارًا من اختزال الهوية الشيعية في معادلة 'شيعي يعني تابع لمحور المقاومة'، معتبرًا أن ذلك يُقصي فكر الإمام علي ومبادئ عاشوراء عن معانيها الحقيقية.
ثانيًا: مقاومة مشروع كيّ الوعي الشيعي
لم يتوانَ السيد الأمين عن خوض مواجهة فكرية ضد 'كيّ الوعي الشيعي' الذي تمارسه ماكينة التعبئة الأيديولوجية المرتبطة بإيران. فقد اعتبر أن المشروع الإيراني لا يستهدف فقط النفوذ السياسي، بل يسعى إلى إعادة تشكيل العقول، وصياغة المفاهيم الدينية ضمن إطار الطاعة والولاء لمرجعية سياسية بعينها.
وقد بيّن في كتاباته ومحاضراته أن تقديس 'القائد' واعتبار المقاومة عقيدة فوق النقد، يمثل انحرافًا خطيرًا يُغلق المجال أمام المراجعة والنقاش، ويحوّل الفرد إلى تابع. كما حذّر من استخدام الدين لتكريس الاستبداد، سواء أكان سياسيًا أو طائفيًا، مشددًا على أن الانفتاح على الآخر ـ من داخل الطائفة وخارجها ـ هو من صلب التجربة الشيعية الأصيلة التي بدأت بالرفض لا بالتبعية.
ثالثًا: شراكة فكرية ومشروع وطني مع العلامة هاني فحص
لم يكن السيد الأمين وحيدًا في معركته. فقد شكل مع العلامة الراحل هاني فحص ثنائيًا نادرًا في المشهد الديني ـ الثقافي اللبناني، جمع بين العمق الفقهي والانفتاح السياسي والفكري.
رأى الاثنان أن مقاومة المشروع الإيراني لا تمر فقط عبر الشعارات السياسية، بل من خلال مشروع وطني شامل، يُعيد تعريف العلاقة بين الطائفة والدولة، وبين الدين والمواطنة.
انخرط كلاهما في الحوار الوطني اللبناني، وشاركا في مؤتمرات للحوار بين الأديان والمذاهب، كما كان لهما دور فاعل في نقد أداء حزب الله داخل البيئة الشيعية، خصوصًا بعد اغتيال رفيق الحريري وتفاقم الاصطفاف السياسي ـ المذهبي. وقد دفع كلاهما ثمن مواقفهما حملات تخوين وتشهير، لكنهّما بقيا صامدين في الدفاع عن مشروعهما.
رابعًا: من الفقه إلى الفكر المدني… تنويرٌ لا تصادم
امتلك السيد الأمين أدوات الاجتهاد التقليدي، لكنه تجاوزها نحو قراءة حداثية تُعيد تموضع الدين في الحياة العامة دون أن يكون أداة تسلّط.
تبنّى رؤية نقدية للتراث الشيعي، لا تنفيه بل تعيد قراءته، معتبرًا أن إحياء الحسين لا يكون في التبعية العمياء، بل في وقفة نقدية ضد الظلم، ولو جاء باسم الدين.
ودعا إلى تأسيس دولة مدنية تحتكم للدستور، لا للمحاصصة الطائفية، ورأى أن الشيعة يجب أن يكونوا شركاء في بناء لبنان الجديد، لا أدوات في صراعات المحاور.
خامسًا: الإرث الذي خلّفه السيد الأمين: مدرسة في العقلانية والجرأة
رحل السيد محمد حسن الأمين في زمن تراجعت فيه الأصوات الحرة، لكن إرثه الفكري باقٍ كمنارة في وجه الغلو والانغلاق.
هو الذي رفض العزلة المذهبية، ودعا إلى التلاقي مع الآخر الديني والسياسي، وكان من القلائل الذين تحدثوا عن الدولة بصفتها مشروع عدالة لا غلبة، وعن المقاومة بصفتها خيارًا وطنيًا لا وظيفة دائمة، وعن الدين كرسالة قيمية لا سلطة سياسية.
إرثه يتمثل اليوم في جيل جديد من المثقفين والمفكرين الشيعة، الذين يبحثون عن موقع للهوية الشيعية خارج محور طهران، ويستلهمون من الأمين وفحص وموسى الصدر أصواتًا لم تُختزل في الراية، بل ارتفعت فوقها لتقول: نحن أبناء وطن لا مشروع خارجي.
لم يكن السيد محمد حسن الأمين معارضًا سياسيًا فقط، بل كان حامل مشروع تنويري ينطلق من عمق الإيمان ليواجه استغلال الدين. لم يقف في وجه مشروع التشييع السياسي خوفًا من إيران، بل دفاعًا عن الكرامة الدينية والفكرية للطائفة.
اقرا ايضا: إلى العلامة محمد حسن الأمين في ذكراه الرابعة.. ما أوسع ثلمة الروح
ولأنه رفع راية الوعي الشيعي الحر، شكّل خط الدفاع الأول عن شيعة لبنان في وجه 'الأسر العقائدي'، وكان صوته صوت العقل في زمن الضجيج، وموقفه موقف الوطن في زمن الانقسام.
ويبقى مشروعه، كما فكر رفيقه هاني فحص، حاجة وطنية وأخلاقية، لاستعادة التوازن في الهوية الشيعية اللبنانية، وبناء عقد اجتماعي جديد، يُنهي منطق 'الطائفة المقاتلة'، ويعيد إنتاج 'الطائفة المواطنة'.











































































