اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
تباين في الآراء بين التحذير من خلايا أمنية والقول إنها مجرد هواجس بينما تبقى الدولة أمام اختبار قدرتها على ضبط الأمن
لم يولد مفهوم 'الأمن الموازي' في لبنان بقرار أو لحظة محددة، بل تبلور تدريجاً منذ أواخر الستينيات مع تآكل قدرة الدولة على ضبط السلاح المتفلت، قبل أن يتكرس مع اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، حين تعددت مراكز القوة وتقاسمت الميليشيات الشوارع والأحياء. يومها، لم يكن المصطلح شائعاً، لكن الواقع كان واضحاً: أكثر من أمن واحد، وأكثر من سلطة واحدة، في دولة واحدة. ومنذ ذلك الحين، لم يغب هذا النموذج تماماً، بل انحسر أحياناً وعاد في محطات مفصلية، كلما ضعفت الدولة أو تبدل ميزان القوى.
اليوم، تعود الإشارات، لا عبر خطوط تماس كما في الماضي، بل من خلال تفاصيل أصغر وأكثر دلالة: كاميرات مراقبة تُطفأ في أحياء حساسة، وأخرى يُقال إنها تُخترق، نزوح يتوسع نحو العاصمة، وأحاديث تتكاثر عن مجموعات تتحرك داخل أحياء مختلطة. في مدينة اعتادت قراءة الخطر من إشاراته الأولى، تبدو هذه الوقائع كأنها ملامح مشهد لم يكتمل بعد.
في الخارج، تتباين القراءات، بين مَن يرى في ما يجري بداية تشكل واقع أمني جديد خارج إطار الدولة، ومَن يعتبره مجرد ارتدادات ظرفية لحرب وضغط إقليمي. وبين هذين التفسيرين، يقف السؤال القديم بلباس جديد: هل يدخل لبنان مرحلة 'الأمن الموازي' مرة أخرى، أم أنه لا يزال يتأرجح في منطقة رمادية، حيث تحاول الدولة أن تستعيد، فيما تواصل التنظيمات اختبار حدودها؟
يشرح البروفيسور عماد سلامة أن 'تصاعد ما يُعرف بـالخلايا الأمنية هو نتيجة مزدوجة لهشاشة الدولة من جهة، وتحول موازين القوة من جهة أخرى'، لافتاً إلى أن 'لبنان يمر اليوم بمرحلة انتقال قسري مع تراجع الهيمنة التقليدية لـحزب الله على القرار الأمني والسياسي، وهذا التحول لا ينتج استقراراً فورياً، بل فراغاً وفوضى، خصوصاً مع تدمير جزء كبير من بيئته القتالية، ودفعِ قاعدته الشعبية إلى النزوح واليأس وردود فعل متطرفة لتعويض الانكشاف. في هذا المناخ، تنشأ شبكات أمنية موازية، لا فقط بسبب ضعف المؤسسات، بل أيضاً لأن ميزان الردع القديم يتفكك قبل أن يترسخ احتكار الدولة للقوة'.
أما عن تداعيات ذلك على السيادة فخطيرة، ويقول سلامة إن 'السيادة لا تعني فقط وجود حكومة، بل قدرة الدولة على احتكار الأمن وفرض القانون. بالتالي قد تحاول الدولة استعادة القرار الأمني تدريجاً، لكن أدواتها ستُستنزف سريعاً في ضبط نزاعات داخلية يومية: منع احتلال المباني الشاغرة، الحد من تفلت الشارع، ومواجهة تمدد العصابات. لذلك فالاستعادة لن تكون عبر صدام شامل وفوري، بل عبر مسارٍ طويل ومكلف، قد ترافقه احتكاكات مذهبية موضعية، إلى أن تضطر البيئة الشيعية نفسها إلى التكيف مع واقع جديد عنوانه صعود دور الدولة وتراجع القوى الموازية'.
وعما إذا كان المشهد هذا يستحضر جزئياً بدايات عام 1975، أكد سلامة 'أنه مشابه جداً، بخاصة من حيث التردد الرسمي وتعدد مراكز القوة، إلا أن الظروف اليوم ليست مطابقة'، موضحاً أن 'هناك جيشاً ومؤسسات دولة قائمة، وهناك ضغط دولي وعربي واضح باتجاه حصر السلاح ومنع الانهيار الشامل، إضافة إلى أن المزاج الشعبي في قطاعات واسعة بات أكثر ميلاً إلى استعادة سلطة الدولة. مع ذلك، يبقى خطر الفوضى المحلية والاشتباكات المذهبية حقيقياً إذا استمر الفراغ الأمني واتسعت حركة النزوح والانقسام الأهلي'.
ويرى سلامة أن 'لبنان يشبه دولاً عرفت تعددية أمنية موازية، لكن خصوصيته تجعله أكثر تعقيداً واستدامة: نظام طائفي، رعاية خارجية متنافسة، وحدود مفتوحة على صراعات إقليمية. لذلك فإن التعدد الأمني في لبنان ليس مجرد خلل أمني، بل جزء من بنية سياسية تاريخية كانت تسمح بتقاسم النفوذ بين الدولة والفاعلين المسلحين'، مشيراً إلى أن 'هذه الصيغة تتآكل، وأن البلاد تدخل مرحلة انتقال في موازين القوة قد تكون شديدة الفوضى قبل أن تستقر، لأن نهاية هيمنة حزب الله التقليدية على مفاصل الدولة لا تعني تلقائياً قيام دولة قوية، بل فترة اضطراب قد تكون قاسية وممتدة'.
في لبنان، تتداخل التحركات الأمنية مع الرسائل السياسية، حيث تُدار المواجهة بأدوات غير مباشرة تقوم على الضغط المتدرج والتوترات الموضعية بدل الصدام المفتوح. وفي هذا السياق، تتحول الفوضى أحياناً إلى أداة ضغط لفرض توازنات داخلية، مما يطرح تساؤلات حول حدود هذا النهج واحتمالات انزلاقه.
في هذا الإطار، يرى الخبير العسكري رياض قهوجي أن 'مسألة نشر خلايا مرتبطة بـحزب الله لا تنفصل عن سياق الضغط على الدولة وتهديد السلم الأهلي'، مشيراً إلى أن 'الحزب ينفذ بذلك تهديده للحكومة اللبنانية، ومفاده أن أي اقتراب من سلاحه أو محاولة لتنفيذ قرارات تحد من نفوذه قد تقود إلى حرب أهلية'.
ويضيف أن 'الحزب يعتمد على نشر هذه الخلايا وافتعال اشتباكات في مناطق مختلفة بهدف خلق حالة من الفوضى ووضع الدولة تحت ضغط مباشر'، معتبراً أن 'هذا السلوك يندرج ضمن استراتيجية واضحة لإدارة الصراع الداخلي'.
في أحياء مثل الأشرفية والمدور والصيفي والكرنتينا (شرق بيروت)، يتصاعد القلق بين الأهالي نتيجة غياب الشفافية حول مراكز إيواء النازحين، من حيث هوية المقيمين ومدة بقائهم، مما يفتح الباب أمام مخاوف أمنية متزايدة. ويتخوف البعض من تحول هذه المراكز إلى نقاط نفوذ لجهات مسلحة أو تغييرات في التوازن داخل مناطق حساسة تربط بين المرفأ وطرق استراتيجية، في ظل شعور بأن الأمر يُفرض كواقع من دون تنظيم واضح من الدولة، مما يعزز الانطباع لدى بعض الأوساط بأن ما يجري قد يتجاوز الإيواء إلى سياق أمني وسياسي أوسع داخل العاصمة.
في السياق، كشف مصدر أمني مطلع عن أن ما يشهده لبنان اليوم لا يرقى إلى مستوى قيام 'أمن موازٍ' بالمعنى البنيوي، بل هو نتيجة مباشرة للظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب الأخيرة والنزوح الواسع'، مؤكداً أن 'الأولوية حالياً هي لضبط التداعيات الأمنية لهذه المرحلة، لا إعادة تشكيل منظومة أمنية خارج الدولة'.
ويرى المصدر أن 'التطور الأبرز يتمثل في موجات النزوح الكبيرة، خصوصاً من الجنوب والبقاع، بعد التحذيرات والضربات التي طالت قرى بأكملها'، لافتاً إلى أن 'هذا الواقع فرض ضغطاً هائلاً على البنية الأمنية والاجتماعية، مع انتقال أعداد كبيرة إلى مناطق جديدة واحتكاكهم ببيئات مختلفة، مما يرفع احتمال التوترات، حتى في الظروف الطبيعية، فكيف في زمن الحرب؟'.
في موازاة ذلك، تحركت الدولة، عبر الوزارات والأجهزة الأمنية، لتنظيم مراكز إيواء، فيما اتجه عدد كبير من النازحين إلى حلول فردية كاستئجار مساكن، مما أوجد واقعاً أمنياً متشعباً يتطلب تنسيقاً يومياً بين البلديات والجمعيات والأجهزة الأمنية، لضبط أي احتكاك أو انفلات محتمل.
فرضت الحرب الثانية بين 'حزب الله' وإسرائيل واقعاً مختلفاً على بيروت، مع تضاعف موجات النزوح من الجنوب والضاحية الجنوبية نحو العاصمة. وقد فاق حجم النزوح في هذه المرحلة ما سُجل في جولات 2023–2024، خصوصاً مع التدمير المنهجي للضاحية، مما دفع كوادر وعناصر من 'حزب الله' إلى الانتقال والتمركز داخل أحياء بيروت المختلطة طائفياً وسياسياً.
هذا الانتقال ترافق مع 'تغلغل أمني' داخل أحياء أساسية في قلب العاصمة، مثل الخندق الغميق، والباشورة، والبسطة، والمصيطبة، وسليم سلام، حيث بات السكان يلمسون وجوداً منظماً لعناصر تنتشر في الشوارع والأزقة، بشكل نصف ظاهر، يوحي بفرض نوع من القبضة الأمنية والمراقبة المستمرة.
في المقابل، تتصاعد المواجهة عبر منصات التواصل بخطاب تحريضي قد ينعكس توترات محدودة ميدانياً، بالتزامن مع موافقة محافظ بيروت القاضي مروان عبود على إنشاء مخيم للنازحين في ساحة الشهداء (وسط العاصمة)، مما يثير مخاوف من إعادة سيناريو ما قبل أحداث 7 مايو (أيار) 2008 وتثبيت تجمعات سكانية جديدة خارج مناطقها الأصلية، مما قد يفتح المجال لوجود خلايا أمنية تحتمي بالناس كدروع بشرية.
في السياق، اعتبر المصدر الأمني أن 'مصطلح الخلايا الأمنية يُستخدم غالباً للإشارة إلى شبكات تعمل لصالح أطراف خارجية، وليس لتنظيمات محلية تمتلك حضوراً علنياً'. وأضاف، 'لا معطيات دقيقة تؤكد وجود خلايا منظمة بهذا المعنى، لكن لبنان يبقى ساحة مفتوحة لاحتمالات الاختراق الأمني من جهات متعددة'.
وعما إذا كان لبنان أمام صدام طائفي بحسب ما يُتداول، أكد المصدر أنه 'لا مصلحة لأي طرف بفتح جبهة داخلية فيما الجبهات الأخرى مشتعلة'، مضيفاً أن 'الحروب لا تُخاض بدافع التوتر، بل بدافع المصلحة، والمصلحة اليوم ليست في الداخل، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن التوتر، إذا تُرك ليتراكم، قد يجد طريقه من الشاشات إلى الشارع'، مؤكداً أن 'القرار الأمني الفعلي لا يزال بيد الدولة، عبر الجيش والقوى الأمنية'. وشدد المصدر ذاته على أن 'الأمن ليس تسوية ولا توازنا، بل فرض وهيبة، وأن أي تراجع في هذا الدور سينعكس سلباً على جميع الأطراف بلا استثناء'.
بدوره، يرى الصحافي علي حمادة أن 'هذا الواقع يتزامن مع غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة، سواء قوى الأمن الداخلي أو الجيش، رغم مناشدات الأهالي، مما يخلق ضغطاً أمنياً ونفسياً متزايداً داخل المدينة'، محذراً من أن 'هذا الانتشار قد يحول هذه الأحياء إلى أهداف محتملة للضربات الإسرائيلية، كما بدأ يظهر في بعض المناطق، الأمر الذي ينذر بتكريس مناخ توتر دائم في العاصمة، في ظل سيطرة أمنية فعلية لقوى الأمر الواقع وغياب واضح للدولة اللبنانية'.
ويحذر حمادة من أن 'لبنان قد ينزلق تدريجاً نحو ساحة مفتوحة لحرب استخباراتية، مع تسجيل استهدافات طاولت شققاً وفنادق في بيروت، يُشتبه في وجود عناصر مرتبطة بـ فيلق القدس فيها'، مشيراً إلى أن 'هذه العناصر تتحرك داخل بيئات سكانية مختلطة، بعضها موالٍ لها، لكن الجزء الأكبر غير حاضن، مما يرفع منسوب التوتر داخل العاصمة بشكل غير مسبوق'.
ويؤكد حمادة أن 'المشكلة تتركز أساساً في بيروت، فيما تبدو مناطق أخرى أكثر تماسكاً أمنياً: في الجبل يساهم تمسك المجتمعات المحلية بالأمن الذاتي في ضبط الوضع، وفي المناطق ذات الغالبية المسيحية يبرز حضور أمني رسمي، أما في الشمال فيحد الثقل الديموغرافي السني من قدرة هذه المجموعات على التحرك بحرية'.
في المقابل، يحذر المتحدث ذاته من أن بيروت تواجه 'اجتياحاً من نوع جديد' نتيجة مشاريع إسكان ونزوح قد تُحدث تغييرات ديمغرافية حساسة، خصوصاً مع الحديث عن إنشاء مخيمات قرب مرفأ بيروت، مما قد يؤدي إلى نشوء 'مربعات أمنية' جديدة في ظل غياب الدولة عن بعض المناطق وارتفاع منسوب التوترات.
وأثارت كاميرات المراقبة في بيروت حالة هلع متصاعدة، بعد تداول (فيديو) يُظهر تحكماً غير معتاد بها، مما فتح تساؤلات حول إمكانية اختراقها عن بُعد، خصوصاً مع التحذير من قدرة المسيرات الإسرائيلية على النفاذ إلى هذه الأنظمة. في المقابل، طلب 'حزب الله' إطفاء الكاميرات في مناطق كـ'البسطة' و'الخندق الغميق'، مما عزز المخاوف من فراغ أمني يحد من قدرة القوى الأمنية على المتابعة، ويفتح المجال أمام تجاوزات أو إخفاء تحركات حساسة، وسط هواجس من تحول بعض الأحياء إلى مربعات أمنية مغلقة.
بدوره، يوضح النائب في البرلمان اللبناني عن منطقة بيروت إبراهيم منيمنة أن 'بعض المعلومات التي تم تداولها، سواء حول كاميرات المراقبة أو وجود عناصر حزبية بين المدنيين، خضعت للمتابعة من قبل الأجهزة الأمنية، التي أكدت أنها تراقب أي حالة مشتبه بها وتتعامل معها وفق الأصول، من دون وجود ما يثبت حتى الآن تحول الأمر إلى ظاهرة منظمة أو خارجة عن السيطرة'، معتبراً أن الحديث المتداول عن 'أمن مُوازٍ' في بيروت يتغذى أساساً من الهواجس الشعبية في ظل الظروف الأمنية الدقيقة، لكن منيمنة شدد في المقابل على 'ضرورة التعامل مع هذه المخاوف بجدية ومسؤولية من قبل الدولة'.
وفي ما يتعلق بما يُشاع عن استئجار شقق أو مكاتب بأسماء مستعارة من قبل الحرس الثوري الإيراني، يشير منيمنة إلى أن هذه المعطيات لم تثبت لديه بصورة مباشرة، لافتاً إلى أن 'الواقع الحالي يتأثر أيضاً بحركة النزوح الداخلي، مما يفرض حساسية إضافية في قراءة أي تحركات سكانية'، مؤكداً أن 'المسؤولية اليوم تقع على عاتق المواطنين أيضاً في الإبلاغ عن أي شبهات، وعلى الأجهزة الأمنية في التدقيق والمتابعة، من دون الانجرار إلى تضخيم الشائعات أو إنتاج حالة هلع غير مبررة'.
ويشدد منيمنة على أن 'الحل يكون بحضور الدولة الفعلي لا الجدل الإعلامي'، معتبراً أن 'بيروت تمثل اختباراً لقدرتها على فرض الأمن'، داعياً إلى 'تعزيز انتشار الجيش والقوى الأمنية داخل العاصمة، وحصر السلاح بيد الدولة، لما لذلك من دور في طمأنة السكان ومنع أي واقع أمني مُوازٍ والحد من التوترات'.











































































