اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، لا تكتمل فرحة العيد إلا بتلك اللحظة الفارقة التي تلي بزوغ الفجر، حين تنطلق حناجر الملايين في وقت واحد وبإيقاع واحد، مرددة: «الله أكبر.. الله أكبر». إنها «صلاة العيد»؛ الشعيرة التي تمثل «العرض العسكري الروحي» للأمة، واللحظة التي تذوب فيها الفوارق بين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، تحت سقف واحد أو في ساحة مكشوفة واحدة. صلاة العيد ليست مجرد ركعتين، بل هي إعلان رسمي عن انتصار الروح على المادة، وهي الخيط الذي يربط بين الفرح الشخصي واللحمة الجماعية. تروي لنا هذه الحلقة قصة «التكبيرات» التي تهز أركان المدن العربية، وكيف تحول «المصلى» إلى مرآة تعكس أبهى صور التوحد والمحبة في الوجدان العربي.
****
•«التكبير».. الوحدة الكبرى
تبدأ صلاة العيد في الوجدان العربي من «الحنجرة» قبل «السجدة».
التكبير هو النداء الذي يخرج العربي من حالة «التبتل الخاص» في رمضان إلى «الاحتفال العام» في العيد. تمتاز التكبيرات في مصر والشام والمغرب والخليج بنغمات رتيبة تبعث على الهيبة والقوة.
يحرص العرب على «التكبير الجماعي» الذي يبدأ من صلاة الفجر ويستمر حتى صعود الخطيب المنبر. هذه الصيغة المتوارثة (الله أكبر كبيراً، والحمد الله كثيراً..) تمثل ميثاقاً وجدانياً يجعل الفرد يشعر بأنه جزء من كيان هائل، لا يحده مسجد ولا مدينة، بل يمتد بمدى صوت الأمة.
•«المصلى الجبّاني».. العودة إلى السنة والمساحة المفتوحة
ارتبط الوجدان العربي بـ «المصلى» أو «الجبانة» (الساحات المكشوفة) لأداء صلاة العيد.
•الخروج إلى الساحات الكبرى في القاهرة، أو في «المصليات» المفتوحة بالخليج، يمنح العيد طابعاً «مدنياً» شاملاً. يصف المؤرخون مشهد الحشود وهي تتدفق من الأزقة الضيقة إلى الفضاءات الواسعة بملابسها البيضاء كأنه نهر من النور، مما يعزز الشعور بـ «السيادة الإيمانية» في المكان.
في العصور الإسلامية، كان خروج الخليفة أو الحاكم للصلاة في المصلى موكباً مهيباً، لكنه كان ينتهي دائماً بمساواة تامة؛ حيث يجلس الحاكم بجوار أفقر رعيته، تأكيداً على أن العيد هو عيد «الأمة» لا عيد «السلطة».
«هيبة الثوب الجديد».. جماليات المظهر في المصلى
صلاة العيد هي المعرض الأكبر للأناقة العربية والجمال المحتشم.
يحرص الرجال والشباب على ارتداء «الثوب» أو «الدشداشة» أو «الجبة» الجديدة، مع التطيب بأجود أنواع العود والمسك. هذا التأنق ليس مباهاة، بل هو «تعظيم للشعيرة» وتعبير عن الفرح الداخلي الذي يفيض على المظهر الخارجي.
المشهد الأجمل في المصلى هو صفوف الأطفال الصغار بملابسهم الملونة، الذين يحاولون تقليد الكبار في الركوع والسجود. في الوجدان العربي، وجود الأطفال في صلاة العيد هو «ضمانة الاستمرارية» لنقل هذه المشاعر للأجيال القادمة.
•«خطبة العيد».. رسائل الأمل والمصالحة
بعد الصلاة، تأتي الخطبة التي تمتاز بالقصر والتركيز على قضايا المجتمع:
يركز الخطباء في العيد على «صلة الرحم» ونبذ الخلافات. في الوجدان العربي، تُعتبر صلاة العيد هي «المهلة الأخيرة» لإنهاء الخصومات؛ فمن يصافح أخاه بعد الصلاة، يُعتبر قد أتمّ صيامه على أكمل وجه.
لا تخلو خطبة عيد في الوجدان العربي من الدعاء للمنكوبين والمستضعفين والقدس، مما يربط فرحة الفرد العربي بآلام وآمال أشقائه في كل مكان.
•«المعانقة والمصافحة».. طقوس ما بعد السلام
بمجرد انتهاء الصلاة والخطبة، يبدأ المشهد الأكثر حميمية في الوجدان العربي.
تتحول الساحات إلى غابة من العناق والمصافحات. يتبادل الناس عبارات «عيدكم مبارك»، «عساكم من عواده»، و«تقبل الله طاعتكم».
يحرص الكثيرون على حمل صناديق الحلوى (التمر، المعمول، الملبس) وتوزيعها على الغرباء في المصلى. هذا الكرم العفوي يكسر الحواجز الاجتماعية، ويجعل من الغريب قريباً في لحظة واحدة، في تجسيد حي لمفهوم «المجتمع المتوحد».
•«الانشراح الجماعي» في العيد
بعد شهر من كبح الشهوات والصبر، يشعر المصلي بأنه نال «وسام الاستحقاق» الإلهي، وصلاة العيد هي حفل التكريم.
وجود الآلاف في مكان واحد يرددون نفس الكلمات يخلق طاقة إيجابية هائلة تذيب القلق والتوتر النفسي، وتمنح الفرد شعوراً بالأمان والمنعة.
في زمن العولمة، تمثل صلاة العيد لحظة «تثبيت الهوية»؛ حيث يشعر العربي بأنه ينتمي لتاريخ عريق وحضارة حية لا تزال قادرة على حشد الملايين تحت راية السلام والبهجة.
•صلاة العيد في «الغربة»
لا تقتصر هيبة صلاة العيد على الحواضر العربية، بل تمتد لتشمل العربي المغترب الذي يبحث عن «مركز إسلامي» ليشعر برائحة وطنه.
في الوجدان العربي، صلاة العيد هي «الوطن المتنقل»؛ فحيثما وُجدت السجدة والتكبيرة، وُجدت مكة ودمشق والقاهرة، مما يجعلها شعيرة «عابرة للحدود» والقيود.
•من المصلى إلى المقبرة.. تحية الراحلين
من العادات الراسخة في الوجدان العربي (خاصة في مصر والشام) التوجه من صلاة العيد مباشرة لزيارة المقابر.
رغم أنها قد تبدو عادة حزينة، إلا أنها في الوجدان الشعبي هي «صلة مع الغائبين»؛ فالعربي لا يريد أن يستأثر بالفرح وحده، بل يذهب ليلقي «تحية العيد» على أهله الراحلين، في مزيج عجيب بين استحضار الموت والاحتفال بالحياة، مؤكداً أن العيد هو عيد «الأحياء والأموات» معاً.
*****
إن صلاة العيد في الوجدان العربي هي «اللوحة الكبرى» التي نرسمها جميعاً بقلوبنا قبل أجسادنا. من تكبيرات الصباح الشجية، إلى عناق المصلين العفوي، تظل هذه الشعيرة هي الركيزة التي يستند إليها الوجدان الجمعي ليشعر بكرامته ووحدته. سيظل المصلى هو المكان الذي نكتشف فيه أننا إخوة في الإنسانية والإيمان، وأن فرحنا لا يكتمل إلا إذا كان جماعياً. سيظل صوت «الله أكبر» هو النشيد الذي يعيدنا إلى فطرتنا الأولى، ويؤكد لنا أن رمضان قد رحل تاركاً فينا روحاً متحدة، قادرة على استقبال الحياة بابتسامة صامدة وأمل لا ينكسر.











































































