اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٧ أذار ٢٠٢٦
إذا كان المسجد هو محراب العبادة في رمضان، فإن «المجلس» أو «الديوانية» هو محراب الوجدان الاجتماعي العربي. في دول الخليج والجزيرة العربية، يكتسب رمضان نكهته الخاصة من تلك اللقاءات التي تجمع الأطياف كافة في فضاء واحد، حيث تشرع الأبواب وتضاء الأنوار وتدار دلال القهوة إيذاناً ببدء «موسم التواصل». إن المجالس الرمضانية ليست مجرد أماكن للجلوس، بل هي «مؤسسات مدنية» عريقة، وجامعات شعبية تُورث فيها القيم، وتُناقش فيها شؤون الحياة، وتتجلى فيها أدبيات الضيافة العربية في أبهى صورها.
•تاريخ «المجالس» في الجزيرة.. من «البيت الشعر» إلى «الديوانية» تضرب جذور المجالس في عمق التاريخ العربي، حيث كان «مجلس الشيخ» أو «كبير القوم» هو المركز السياسي والاجتماعي. يذكر المؤرخون أن رمضان كان تاريخياً هو الشهر الذي «تُحط فيه الرحال»، حيث تستقر القبائل وتجتمع حول «شبّة النار». ويشير الباحثون في تاريخ الجزيرة العربية إلى أن «المجلس» كان يُعد «مدرسة» للأجيال الناشئة؛ ففي رمضان، كان الصغار يرافقون الكبار ليتعلموا «سلوم العرب» (آدابهم)، من طريقة صب القهوة إلى فنون الرد والترحيب. ومع تحضر المدن، انتقل هذا التقليد من الخيمة إلى «الديوانية» في الكويت، و«الميلس» في الإمارات وقطر، و«المجلس» في السعودية وعمان والبحرين، ليصبح جزءاً أصيلاً من المعمار الاجتماعي والسكني.
•بروتوكول «الديوانية» في الكويت.. برلمان رمضان المصغر تُعد الدواوين في الكويت ظاهرة فريدة، وفي رمضان تتحول إلى «خلايا نحل» لا تهدأ. تبدأ الزيارات عادة بعد صلاة التراويح، حيث يضع صاحب الديوانية جدولاً لاستقبال المهنئين. يحرص الكويتيون على التنقل بين الدواوين في طقس يسمى «المرور»، حيث يتم تبادل التهاني بعبارات «مبارك عليكم الشهر» و«عساكم من عواده». الغبقة الرمضانية، هي ذروة العمل الاجتماعي في الديوانية، حيث تُقام مأدبة عشاء متأخرة تجمع الأصدقاء والجيران، وتُقدم فيها الأطباق التقليدية مثل «المكبوس» و«الجراد» (قديماً) والحلويات الحديثة، مما يجعل الديوانية مساحة لتعزيز الوحدة الوطنية واللحمة المجتمعية.
•«الميلس» في الإمارات وقطر.. كرم الاستقبال وطيب العود في الإمارات وقطر، يمثل «الميلس» وجه الدار وعنوان كرمها. يلتزم المرتادون ببروتوكول صارم يبدأ بخلع النعل عند المدخل، والتحية الجماعية، ثم الجلوس في المكان المخصص حسب السن أو المكانة. لا يمكن تخيل مجلس رمضاني دون «المدخن» الذي يطوف على الحاضرين برائحة العود الفاخر، و«الدلة» التي لا تسكن. يحرص أهل الإمارات وقطر على تقديم «الفواكه» و«اللقيمات» بشكل مستمر طوال السهرة، ويُعد «الميلس الرمضاني» فرصة للقاء المسؤولين بالمواطنين في أجواء عفوية تكسر الحواجز الرسمية.
•المجالس في السعودية.. تنوع الأقاليم ووحدة «القهوة» في المملكة العربية السعودية، تتنوع المجالس بتنوع جغرافيتها، لكنها تتوحد في رمضان حول «القهوة العربية». في الحجاز تبرز «المركاز» و«المجالس الحجازية» التي تمتاز بطابعها العمراني الفريد، حيث تدار أحاديث السمر حول تاريخ مكة والمدينة وجدة، وتُقدم «السوبيا» والمكسرات. في نجد والمنطقة الشرقية يغلب على المجالس طابع الوجاهة والهدوء، حيث تُلقى القصائد النبطية ويُناقش «الرواة» قصص الأولين وبطولاتهم. يمثل المجلس في السعودية «خزان الهوية»، حيث يُحافظ فيه على الزي الوطني (الثوب والشماغ) كجزء من وقار الشهر وفضيلة اللقاء.
•عمان والبحرين.. «السبلة» وألفة «الفريج» في سلطنة عمان، تُعد «السبلة» مؤسسة اجتماعية وقانونية. في رمضان، يجتمع العمانيون في السبلة الملحقة بالمسجد أو الحارة، ويتم تبادل الأخبار وحل النزاعات البسيطة إن وجدت في جو من التسامح. تمتاز السبلة بالبساطة والعمق، حيث يُشرب «الشاي العماني» وتُؤكل «الحلوى» السلطانية. تشتهر البحرين بمجالسها المفتوحة التي تمتاز بـ «الأريحية». يزور البحرينيون بعضهم البعض في «الفريج»، وتتحول المجالس إلى صالونات ثقافية وأدبية يُناقش فيها الشعر والتاريخ، وتُعد «القدوع» (مجموعة الفواكه والحلويات) جزءاً أساسياً من بروتوكول الضيافة البحريني.
•آداب «القهوة العربية» في رمضان.. لغة الصمت والتقدير تُعد القهوة العربية «لغة» قائمة بذاتها في مجالس رمضان، ولها قواعد صارمة: -المسكة باليسار والصب باليمين: قاعدة ذهبية لا يجوز كسرها. -الفنجان الناقص: يُصب الفنجان لثلثه فقط (صبت الحشمة)، فالفنجان المليء يُعد إشارة للضيف بأن يسرع في الرحيل. هز الفنجان: هي الحركة التي يعلن بها الضيف اكتفاءه، وإلا سيستمر «المقهوي» في الصب. بدء «القهوة» من اليمين: أو البدء بـ «كبير القدر» أو «الضيف الغريب»، وهو بروتوكول يعزز قيم الاحترام والتراتبية الاجتماعية الراقية.
•الأثر التربوي والثقافي للمجالس الرمضانية يرى الباحثون في علم الاجتماع أن المجالس الرمضانية هي «الحصن الأخير» ضد عزلة التكنولوجيا. ففي الوقت الذي تسيطر فيه الشاشات على الحياة، تعيد هذه المجالس «اللقاء المباشر» و»لغة العيون». كما أنها تلعب دوراً كبيراً في: -تلقين القيم: يتعلم الشاب كيف يتحدث، وكيف ينصت، وكيف يخدم الكبار (القهوجية كتدريب على التواضع). -التكافل المستتر: في هذه المجالس، تُعرف احتياجات الجيران وتُقضى حوائجهم بـ «كلمة سر» بين الكبار دون إحراج. تلاقح الأفكار: تجمع المجالس بين التاجر والمثقف والموظف والبسيط، مما يخلق وعياً جمعياً موحداً تجاه قضايا المجتمع.
****
إن المجالس والدواوين في الوجدان العربي هي «قلب الأمة» الذي ينبض بالحب في ليالي رمضان. هي المكان الذي يتصالح فيه الماضي مع الحاضر، وتتجدد فيه عهود الوفاء بين الأهل والأصدقاء. من «ديوانيات» الكويت إلى «ميالس» الإمارات وسائر بلاد العرب، يظل المجلس هو «المدرسة الكبرى» التي لا تخرجنا بعلم الكتب، بل بـ «علم الرجال» وأدب الضيافة ونبل الأخلاق. سيظل باب المجلس مفتوحاً، ودلة القهوة فواحة، طالما أن في العرب عرقاً ينبض بالقيم، وروحاً تشتاق للوصل الرمضاني الجميل.











































































