اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. حمد الكواري:
الأمم المتحدة: في مهب الريح، أزمة نظام لا أزمة إدارة
وُلدت الأمم المتحدة من نظامٍ صاغه المنتصرون عام 1945 ليحمي توازناتهم قبل أن يكرّس عدالة عالمية.
ومع تغيّر موازين القوة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ودخول العالم مرحلة اضطراب وتعدّد أقطابه، بقيت بنية المنظمة جامدة، عاجزة عن مواكبة واقع جديد أكثر تعقيدًا وأشد قسوة.
كنتُ، بحكم تجربتي الطويلة داخل مؤسساتها ودراستي لها، أؤمن أن الأمم المتحدة ضرورة، وأن غيابها سيكون كارثة على النظام الدولي.
لكن هذه القناعة لم تعد مسلّمة. فما نشهده اليوم ليس إخفاقًا عرضيًا، بل عطبًا بنيويًا يطال جوهر المنظمة.
مجلس الأمن مشلول بفعل الفيتو لا يعجز عن اتخاذ القرار فحسب، بل يعجز عن حماية أبسط مبادئ الميثاق. والقانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون المرجعية العليا، بات يُنتهك علنًا دون رادع أو مساءلة. المعايير تُطبَّق بانتقائية، والشرعية أصبحت من الماضي. وهكذا يتقدّم 'قانون القوة' على 'قوة القانون'.
وفي قلب هذه الأزمة، تتبدّى سياسات الولايات المتحدة الراهنة عاملًا حاسمًا في تسريع التآكل: تجاهلٌ تام للقانون الدولي، استخدامٌ انتقائي لمفاهيم الشرعية وحقوق الإنسان، وضغوط سياسية ومالية تُضعف استقلال المنظمات المتخصصة وتقيّد دورها الإنساني والثقافي والتنموي. لم يعد التسييس استثناءً في عمل هذه المؤسسات، بل أصبح نمطًا.
نحن، إذن، أمام أزمة نظام دولي لا أزمة إجراءات:
مجلس أمن بلا فاعلية، قانون دولي بلا إنفاذ، ومنظمات متخصصة تُفرَّغ من مضمونها. ومع اتساع الفجوة بين الخطاب الأممي والواقع، تتآكل الشرعية الأخلاقية للمنظمة، وتتراجع ثقة الشعوب بها، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام دولي.
إن الأمم المتحدة نظريا ضرورة لا بديل عنها، لكن استمرارها بهذه البنية يجعلها شاهدًا على انهيار النظام الدولي بدل أن تكون ركيزته. ما لم يحدث إصلاح جذري وهذا شبه مستحيل يعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويكبح شلل الفيتو، ويحرّر المؤسسات المتخصصة من قبضة التسييس والتمويل المشروط، – وهذا وفق معطيات اليوم مستحيل – ، لذلك – للأسف فإن التآكل سيستمر، وسيبقى مصير المنظمة – ومعه النظام العالمي – في مهب الريح.
دكتور حمد الكواري
وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء
رئيس مكتبة قطر الوطنية











































































