اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
في آخر أخبار التكنولوجيا لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول قدرات النماذج أو سباق الشركات على إطلاق المنتجات، بل حول سؤال أكثر قسوة: هل يمكن لهذا الزخم الاستثماري أن يستمر عندما تصطدم السوق بسقف الطاقة والتمويل والعائد؟ هذا السؤال يزداد إلحاحًا مع دخول 2026، لأن السنوات الماضية رفعت التوقعات إلى مستويات استثنائية، لكن البنية التحتية التي يفترض أن تحمل هذا التوسع تبدو أكثر بطئًا وتعقيدًا من الخطاب المتفائل المحيط بالصناعة. ومن هنا يأتي وصف 2026 بأنه عام الحسم، لا لأن الطفرة ستنتهي بالضرورة، بل لأن السوق ستبدأ في اختبار قدرتها على تحويل الإنفاق الضخم إلى نموذج أكثر استدامة.
التقرير الذي نشرته «الاقتصادية» يوضح أن الطلب ما زال قويًا على أجهزة مراكز البيانات من شركات مثل إنفيديا وميكرون، وأن هذا الزخم مرشح للاستمرار على الأقل حتى النصف الأول من 2026. كما يشير إلى أن الطلبات لدى بعض الشركات الموردة تمتد إلى 2027، وهو ما يعكس أن السوق لم تصل بعد إلى مرحلة الإنهاك الكامل. وعلى مستوى التمويل، استعرض التقرير بيانات تفيد بأن شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة جمعت خلال 2024 و2025 نحو 315 مليار دولار وفق بيانات كرنش بيس، ذهب جزء مهم منها إلى تغطية تكاليف الحوسبة السحابية والبنية التحتية لدى الشركات الكبرى.
هذه الصورة تساعد على فهم لماذا بقيت شهية الاستثمار مرتفعة رغم التحذيرات. فحتى الآن ما زالت الصناعة تنتج طلبًا حقيقيًا على الشرائح، والخوادم، والسحابة، ومراكز البيانات، وما زالت شركات كبرى ترى أن التخلف في هذا السباق مكلف استراتيجيًا. لذلك فإن الحديث عن فقاعة بسيطة قد يكون اختزالًا مخلًا، لأن جزءًا معتبرًا من الإنفاق يعكس تحوّلًا فعليًا في البنية الرقمية العالمية لا مجرد موجة مضاربة عابرة.
القلق الأكبر لا يأتي فقط من احتمال تراجع التمويل، بل من حدود الطاقة نفسها. هنا تكتسب بيانات وكالة الطاقة الدولية أهمية خاصة. فالوكالة تقدّر استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنحو 415 تيراواط ساعة في 2024، أي نحو 1.5 في المئة من الاستهلاك العالمي للكهرباء، بعد نمو سنوي بلغ 12 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية. وفي السيناريو الأساسي للوكالة، من المتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات تقريبًا ليصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030، مع نمو سنوي يقارب 15 في المئة بين 2024 و2030.
هذه الأرقام تفسر لماذا لم تعد مسألة الطاقة تفصيلًا تقنيًا ثانويًا. فكل توسع في الذكاء الاصطناعي يعني مزيدًا من الخوادم المسرّعة، وكثافة أعلى في استهلاك الكهرباء، وحاجة أكبر إلى التبريد والبنية المساندة. وبحسب التقرير نفسه، فإن ما يقرب من نصف الزيادة الصافية في استهلاك كهرباء مراكز البيانات سيأتي من الخوادم المسرّعة المدفوعة بتبني الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن اختناق الطاقة لم يعد خطرًا بعيدًا، بل جزءًا من الحساب الاقتصادي اليومي للصناعة.
لأن عدة ضغوط قد تتقاطع في الوقت نفسه. فـ«الاقتصادية» تشير إلى احتمال أن تعيد شركات التكنولوجيا العملاقة النظر في الإنفاق الرأسمالي تحت ضغط المساهمين أو بسبب الحاجة إلى استيعاب ما ضخته بالفعل في البنية التحتية. كما تبرز مشكلة أن كثيرًا من الشركات الناشئة لا تحقق أرباحًا بعد، ما يجعل استمرارها معتمدًا على جولات تمويل متتالية لتسديد كلفة الحوسبة السحابية. وإذا تباطأ هذا التمويل أو ارتفعت كلفته، فقد يتراجع جزء من الطلب الذي تبدو السوق اليوم واثقة منه.
وفي الوقت نفسه، لا تتحرك البنية التحتية للطاقة بالسرعة نفسها التي تتحرك بها شركات البرمجيات أو أشباه الموصلات. فوكالة الطاقة الدولية تذكّر بأن مراكز البيانات قد تُبنى خلال عامين أو ثلاثة، لكن شبكات الكهرباء ومحطات التوليد والبنية اللازمة للربط تحتاج إلى وقت أطول بكثير وتخطيط واستثمارات ضخمة. هذه الفجوة الزمنية هي التي تجعل 2026 عامًا حساسًا: فالصناعة ستكون مطالبة بإثبات أن الطلب والتمويل والطاقة يمكن أن تتقاطع في مسار واحد قابل للاستمرار، لا في طفرة مؤقتة تسبق عنق زجاجة حادًا.
إذا واصل الإنفاق زخمه مع قدرة مقبولة على حل معضلة الطاقة، فقد يخرج قطاع الذكاء الاصطناعي من مرحلة الحماس النظري إلى مرحلة أكثر رسوخًا وربحية. أما إذا تعثر أحد الأعمدة الثلاثة الكبرى، أي التمويل أو الطاقة أو الطلب النهائي، فقد تتغير نبرة السوق سريعًا من الاحتفال بالسباق إلى مراجعة كلفته الحقيقية. وفي هذا السياق، تظل الاقتصادية نافذة مفيدة لقراءة البعد الاقتصادي للصناعة، لأنها تركز على ما وراء المنتجات: مراكز البيانات، الإنفاق الرأسمالي، والقيود الهيكلية التي قد تحدد الفائزين والخاسرين.
قد لا يكون 2026 عام انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، لكنه يبدو مرشحًا بقوة ليكون عام اختبارها الحقيقي. فالقطاع ما زال يملك زخمًا ماليًا وتقنيًا كبيرًا، لكنه يقترب من مرحلة لا يكفي فيها الوعد وحده. من الآن فصاعدًا، ستحتاج الصناعة إلى إثبات أنها تستطيع تأمين الكهرباء والتمويل والعائد معًا، وإلا فإن أكثر ما يهدد الطفرة لن يكون ضعف الخيال التقني، بل حدود العالم المادي الذي يفترض أن يحملها.












































