اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
أعضاء الأقلية يطالبون بمعاملتهم بالمساواة كمواطنين بعد أن ظلوا لفترة طويلة مهمشين
داخل مدفن في القاهرة تظلله أشجار النخيل والشجيرات المتشابكة، تتراص القبور الشاحبة بكثافة، لدرجة أنه في بعض الأماكن لا يفصل قطعة أرض عائلة عن الأخرى، سوى شرائط ضيقة من الرمال والرصف المتهالك، وهذا هو آخر مكان دفن باق للبهائيين في مصر، وهم أقلية دينية ظلت لفترة طويلة على هامش الحياة الرسمية، حيث بدأت الأماكن الخالية في النفاد بسرعة.
ومع امتلاء المقبرة، أصبحت بالنسبة إلى المنتمين لهذه الأقلية رمزاً للعقبات والقيود البيروقراطية، التي يقولون إنها تعقد كل شيء، بدءاً من التسجيل في المدارس ووصولاً إلى المعاشات التقاعدية وتسجيل الزواج، وتقول المهندسة المعمارية جمانة لبيب (25 سنة)، إن أفراداً من عائلتها يدفنون هناك، وبعدما أصبحت هذه المنطقة ممتلئة، لم تعد هناك فرصة لإيجاد أماكن أخرى للدفن.
ويتوزع أتباع الديانة البهائية عبر قارات مختلفة، ويؤمنون بأن مؤسسها في القرن الـ 19، بهاء الله، نبي، وجلبها تجار إلى مصر خلال ستينيات القرن الـ 19، بعد فترة وجيزة من نشأتها في إيران، ومع تقدير أعداد أتباعها الحاليين في مصر بالآلاف، فإنهم يشكلون أقلية ضئيلة في بلد يغلب عليه المسلمون، ويبلغ عدد سكانه نحو 110 ملايين نسمة.
ويضمن الدستور المصري الحرية الدينية، لكن علماء التيار الإسلامي السائد يعتبرون الديانة البهائية بدعة، وغالباً ما يتردد المسؤولون عملياً في الاعتراف بالأديان خارج نطاق الديانات الإبراهيمية الرئيسة.
وبينما تقتضي التقاليد الإسلامية دفن الميت خلال يوم، تسمح الممارسات البهائية بنقل الجثمان مسافة لا تستغرق أكثر من ساعة من مكان الوفاة، مما يخلق تحديات خاصة، وقالت 'المبادرة المصرية للحقوق الشخصية'، وهي جماعة حقوقية بارزة مقرها القاهرة، إن مقابر كان يستخدمها البهائيون في مدينتي الإسكندرية وبورسعيد الساحليتين امتلأت أو أعيد تخصيصها على مر السنين، وهو ما اضطر كثيراً من العائلات إلى نقل الجثامين إلى القاهرة.
وتوضح مارينا سمير، المعنية بملف 'حرية الدين والمعتقد' في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن أفراد الأقلية البهائية يقولون إن طلبات تخصيص مقابر جديدة في الإسكندرية وبورسعيد، حيث يقيم جزء كبير منهم، قوبلت بالرفض من دون تفسيرات مكتوبة واضحة، فيما لم ترد 'الهيئة العامة للاستعلامات' المصرية ومحافظتا الإسكندرية وبورسعيد على طلبات للتعليق.
وذكرت الحكومة المصرية عام 2025، في رد على تقرير للأمم المتحدة عن حقوق الإنسان، إنها 'لا تفرض أي قيود على المعتقد الشخصي أو الانتماء الديني، بما في ذلك اعتناق الديانة البهائية'، وأضافت استناداً إلى بيانات رسمية، أن هناك 'مواقع دفن كافية لتلبية حاجات جميع المواطنين'، فيما يشدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مراراً على ضرورة التعايش الديني، وقال إن الدولة تعمل بلا كلل لمكافحة التمييز وتعزيز التسامح.
أتاح حكم قضائي تاريخي صدر عام 2009، لمن لا يدينون بالإسلام أو المسيحية أو اليهودية، وضع شرطة في خانة الديانة في بطاقات الهوية، وهو ما سمح للبهائيين بتجنب إعلان ديانة لا يعتنقونها، لكنه أبقاهم في مواجهة صعوبات عملية، من أكبرها إثبات الزيجات البهائية في السجلات الرسمية، فكثيراً ما يسجل الأزواج البهائيون على أنهم 'عزاب' حتى بعد عقود من الحياة معاً، مما قد يعقد تسجيل الأطفال والميراث والمعاشات، والتأمين الصحي والسجلات العائلية.
وقالت حنان كمال الدين (65 سنة)، إن بطاقة هويتها تصفها بأنها عزباء، على رغم أنها تزوجت في مراسم بهائية قبل 45 عاماً، ولديها طفلان في الأربعينيات من العمر، متسائلة 'ما الذي سيضر المجتمع بإثبات هذا الزواج؟ هذه مطالبة لحقوق مواطنة، وليست حقوقاً دينية وليست حقوقاً بإثبات عقائد معينة'.
ومثل بهائيين آخرين، حصلت حنان على حكم قضائي فردي يعترف بزواجها عام 2020، لكن محكمة أعلى ألغت هذا الحكم في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو قرار يخشى أزواج بهائيون آخرون الآن أن يؤثر فيهم أيضاً.
وكذلك حصل أحمد حلمي (49 سنة) على حكم قضائي يسمح بأن تُظهر وثائقه أنه متزوج، لكنه قال إن زوجته حُذفت بالفعل من قسم الأسرة في حسابه على منصة الخدمات الرقمية الحكومية، ويخشى أن تعود الحالة في بطاقة الهوية إلى 'أعزب'، عندما يجددها في المرة المقبلة.


































