اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٢ أذار ٢٠٢٦
أحـمـد الـشَّـهـاوي
كتابُ سارة حوَّاس 'ثُقب المِفتاح لا يَرَى .. عُشرون شاعرةً أمريكيةً حائزات على جائزتيْ نوبل وبوليتزر' يثيرُ الكثيرَ من الجدلِ والنقاشِ مع كُلِّ قراءةٍ جديدةٍ له،ويرجعُ ذلك إلى أسبابٍ كثيرةٍ ،سأحاولُ هنا أن أوجزَها ،في صورةِ تساؤُلاتٍ تقتربُ من اليقين .
هل لأنَّنا نرى للمرَّة الأولى كتابًا يتضمَّنُ كُلَّ هذا العدد من الشَّاعرات الأمريكيات اللاتي نلن جائزة بوليتزر ،هذه الجائزة الرفيعة في الولايات المتحدة الأمريكية ،إذْ اختارت سارة حوَّاس تسعَ عشرة شاعرةً نلن هذه الجائزةَ خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين من بين خمسٍ وعشرين شاعرةً فزن بالجائزة منذُ تأسيسها سنة 1917 ميلادية - وهي مجموعة من الجوائز والمنح تقدمها سنويًّا جامعة كولومبيا بنيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات الخدمة العامة والصحافة والآداب والموسيقى- وكان يُمكنُ لها أن تُترجمَ شِعرَ هؤلاء الخمس المتبقيات لكنَّها انتخبت واختارت من تحبُّ ،وقالت :'إنَّ من لم أترجمهن لم أتعاطف مع شِعْر بعضهن واكتفيتُ بالعشرين '،وهذا أظنُّهُ عددًا كافيًا لكتابٍ جاء في نحو ثلاثمئة صفحة من القطع المتوسط .
وأثبت هُنا أسماءَ من اختارتهُن الكاتبةُ والمترجِمةُ الدكتورة سارة حامد حوَّاس وهنَّ :إيمي لويل ،سارة تيسيديل ،ماريان مور،إدنا سانت فينسنت ميلاي ،ماريا زاتورينسكا ،فيليس ماكجينلي،إليزابيث بيشوب،جويندولين بروكس،ليسيل مولر،كارولين كايزر،آن سيكستون ،سيلڤيا بلاث ،ماري أوليڤر،شارون أولدز،لويز جلوك،كارولين فورشيه،ريتا دوڤ،
كلوديا إميرسون،ناتاشا تريثيوي ،تريسي ك.سميث.
هل لأنَّ ترجمة الشِّعْر الأمريكي والشِّعْر عمومًا قليلة في بلداننا ،ولو كانت هناك ترجمةٌ فيتوجَّه المُترجمُ عادةً إلى الشُّعراء المشاهير ،أو الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب ،أو للشِّعْر الإنجليزي وكذا الفرنسي أو الإسباني ،أو غيره من الشِّعْر الأوروبيِّ المُعتاد ترجمته ،ونادرًا ما نجدُ ترجمةً للشِّعْر الأمريكي ،وإنْ وُجدت فتكُون عادةً لشاعرٍ واحدٍ أو شاعرةٍ واحدةٍ أو تغامرُ دارُ نشرٍ بنشر الأعمال الكاملة لاسمٍ واحدٍ ،لكنَّنا لم نجد مثل هذا العدد لشاعراتٍ في كتابٍ واحدٍ صدر عن 'بيت الحكمة للثقافة 'في القاهرة.
هل لأنَّ سارة حوَّاس قدَّمت لنا أسماءً شعريةً شهيرةً في العالم لكنَّها مجهُولةٌ عندنا مِصريًّا وعربيًّا إلا للقليلين المُتابعين للمشهد الشِّعْري الأمريكي ،وللأسف فالجامعة المصرية والعربية بعيدةٌ عن دراسة وتقديم شِعْر هؤلاء في أقسامِ اللغة الإنجليزية وآدابها واكتفُوا بوليام شكسبير والذين جاءوا من بعدِه ،كأنَّ الشِّعْرَ موجُودٌ في بريطانيا فقط ،حيثُ توقَّفوا عند الأسماء القديمةِ التقليديةِ ،وهذا يعُودُ إلى أنَّ الأستاذَ الأكاديميَّ في بلداننا لم يعُد يتابعُ الجديدَ من الشِّعْر ،مثلما نجدُ ذلك أيضًا في دارسة الشِّعْر العربي في أقسام اللغة العربية وآدابها بكليات الآداب والتربية ودار العلوم والأزهر حيثُ أغلبُ الداراساتِ الأكاديمةِ محصورةٌ في العصُور :الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي،ونادرًا ما نرى دراسةً للشعراء المعاصرين .
هل لأنَّ سارة حوَّاس التي درستْ أيضًا شكسبير وإخوانه في سنوات دراستها الأربع ،ثم بعد ذلك في الماجستير والدكتوراه - وهي المُتخصِّصة في علم اللغويات كأبيها الراحل الدكتور حامد حوَّاس الذي كان عميدًا لكلية الآداب في جامعة دمياط - قد غامرت ونحَتْ نحوًا مُغايرًا للسَّائد والمُعتاد ،وقدَّمت أسماءً تعدُّ جديدةً في أفق الشِّعْر ،على الرغم من أنَّها مُكرَّسة ومُؤثِّرة ومؤسِّسة في الشِّعْر الأمريكي والعالم .
هل لأنَّ سارة حوَّاس لم تكتفِ بترجمة ستين قصيدةً لعشرين شاعرةً ، بل مهَّدت لكلِّ شاعرةٍ بتقديمٍ مستفيضٍ يُغطِّي سيرةَ ومسيرةَ كل شاعرةٍ ،ولو جمعنا هذه التقديمات لشكَّلت كتابًا وحدَهُ من تأليف الدكتورة سارة حوَّاس ؛ولذا أعتبرُ هذا الكتاب تأليفًا وترجمة معًا ،وليس ترجمةً فقط ؛لأنَّ النسبةَ الغالبةَ في الكتاب هي التأليفُ الذي يصلُ وحده إلى نحو مئتي صفحة.
وأنا شخصيًّا لديَّ مشكلةٌ شخصيةٌ مع كُل الكتب المُترجَمة التي تهملُ التقديمَ والتعريفَ بالشَّاعر والكاتب وأعتبرُها أعمالًا منقُوصةً تحتاجُ إلى مُراجعةٍ وإضافاتٍ ،لكنَّ الأغلبَ يستسهلُ الأمرَ ،كأنهُ في سباقِ سرعةٍ في الترجمةِ ،أو أنه ينجزُ عملًا ربحيًّا ،وعليه أن يترجمَ خمسةَ أو ستة كُتبٍ في العام .
هل لأنَّ سارة حوَّاس ذهبتْ إلى التحريرِ والتأنِّي والمُراجعة الشخصيَّة وقراءة آلافِ الصفحات كي تكتبَ تقديمَها لشاعراتِ كتابِها ،ولم تترجم إلا ما تحبُّ من الشِّعْر ،وتنسجمُ معه وتحسُّ به ؛ربَّما لأنَّها تؤمن أن عملها كان هدفه الأول الإمتاع ،واعتبرته مَهمَّةً علميةً ثقافيةً بالدَّرجةِ الأولى ،هدفُها خدمة من سيتلقَّى عملَها من القُرَّاء والمُتخصِّصين ؛فكانت في تحَدٍّ شرسٍ مع ذاتها .فهي اختارتْ وذهبتْ نحوَ الشِّعْر الذي تفضِّلُ وتكتبُ ،ويشبهُ روحَها .
هل لأنَّ سارة حوَّاس لم تنقل نقلًا ميكانيكيًّا من لُغةٍ إلى أخرى ، بل نقلت بفنٍّ رُوح النصِّ وما وراءه من ثقافةٍ وفكرٍ وإرثٍ حضاريٍّ مُتراكمٍ في رُوحِ الشَّاعراتِ خُصوصًا اللاتي ينحدرن من أصولٍ ليست أمريكيةً ويتمتَّعن بالتعدُّد والتنوُّع في الثقافةِ والأصُول .ولم تكُن تقليديَّةً في ترجمتها ،أو جامدة في لغتها ورُؤيتها لمفهوم الترجمة كعلمٍ وفنٍّ ،بل اتبعت حسَّها وحدْسَها ولم تنتمِ إلى النمطِ التقليديِّ الشَّائعِ في الترجمةِ ،بمعنى أنَّها لم تمسخ ولم تُشوِّه ،ولذا جاءت النصوصُ سلسةً سهلةً جذَّابةً لا تعقيدَ فيها ولا التواءَ ولا تعسُّفَ،كأنَّها مكتوبةٌ بالعربيةِ ،وقليلون من مُترجمي الشِّعْر من يصلون إلى هذه المرتبةِ ،مرتبة الإجادة والجِدَّة .
إنَّ سارة حوَّاس في كتابها هذا قد جمعتْ بين أكاديميتها وشعرية رُوحها ،فكثيرًا ما يكونُ تكسيرُ أصنام التقاليد والقيود والرُّؤى المُتحجِّرة المُتوارثة من الأسلاف طريقًا للخلق والإبداع والابتكار ،وتقديم الجديد ،لأنَّ النفسَ فُطرتْ على المُغامرة وخوض الطُّرق الوعِرة الصَّعبة وغير المُمهَّدة.
.........
نصُّ الورقة التي قدَّمْتُها في العشرين من مارس 2024 ميلادية ،مناقشًا كتاب'ثُقب المِفتاح لا يَرَى .. عُشرون شاعرةً أمريكيةً حائزات على جائزتيْ نوبل وبوليتزر'بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للشِّعْر ببيت الشِّعْر العربيِّ في القاهرة.













































