اخبار اليمن
موقع كل يوم -نيوز يمن
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
تحولت محاولة فرض جرعة سعرية جديدة على مادة الغاز المنزلي إلى شرارة غضب شعبي واسع، سرعان ما أرغمت الجهات المعنية على التراجع خلال ساعات، في واقعة تعكس هشاشة منظومة التسعير، وغياب رؤية اقتصادية متماسكة قادرة على التوفيق بين كلفة الإنتاج والقدرة الشرائية للمواطنين، في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات المعيشية في تاريخه.
وبحسب التعميمات الرسمية، أقرت الشركة اليمنية للغاز رفع سعر أسطوانة الغاز المخصصة للوكلاء المنزليين إلى 10 آلاف و100 ريال، فيما بلغ سعر الأسطوانة عبر محطات التعبئة “الطرمبات” 12 ألف ريال، استنادًا إلى التسعيرة المعتمدة في مأرب. غير أن هذا القرار أثار فورًا حالة من القلق في الشارع، في ظل مخاوف من موجة ارتفاعات جديدة قد تمتد إلى مختلف السلع والخدمات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بأسعار الطاقة.
ويكتسب الغاز المنزلي أهمية خاصة في حياة اليمنيين، كونه المصدر الرئيسي للطهي في معظم المنازل، ما يجعل أي زيادة في سعره ذات تأثير مباشر على معيشة الأسر، خصوصًا في ظل تراجع الدخل وارتفاع معدلات الفقر. ولهذا، لم يكن مستغربًا أن تُقابل الزيادة برفض واسع، حيث اعتبرها المواطنون غير مبررة، مؤكدين أن الغاز المنتج محليًا لا يخضع لتقلبات الأسواق العالمية، كما هو الحال مع الوقود المستورد، وأن استقرار أسعار المشتقات النفطية يلغي أي مبررات لرفع تكاليف النقل أو التسعير النهائي.
وتضاعف الغضب الشعبي مع توقيت القرار، الذي جاء خلال أيام عيد الفطر، وهو ما اعتبره كثيرون تجاهلًا للظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها الأسر، في وقت كانت تتطلع فيه إلى انفراجة في أزمة الغاز المستمرة منذ أشهر، لا إلى زيادة جديدة تعمّق معاناتها.
وفي خضم الجدل، برزت انتقادات حادة من ناشطين، حيث أشار الناشط عفيف العباب إلى ما وصفه بتحول في طبيعة تفاعل الشارع اليمني مع الجرعات السعرية، لافتًا إلى أن زيادات طفيفة في فترات سابقة كانت كفيلة بإشعال احتجاجات واسعة، بينما تمر زيادات أكبر اليوم دون رد فعل مماثل، مرجعًا ذلك إلى عوامل سياسية تتحكم في توجيه الشارع.
ولم تقتصر انتقاداته على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى البعد الإنساني، حيث استعرض مشاهد وصفها بالقاسية من مخيم “السويداء”، مشيرًا إلى أوضاع مأساوية تعيشها أسر تضم أطفالًا يعانون من أمراض خطيرة وسط فقر مدقع وغياب أبسط مقومات الحياة، محذرًا من أن استمرار الضغط الاقتصادي قد يدفع المجتمع إلى حافة الانهيار.
وفي سياق متصل، كشف الصحفي عمار علي أحمد عن تفاصيل أثارت مزيدًا من الجدل، معتبرًا أن قرار رفع الأسعار لم يكن وليد اللحظة، بل صدر عن إدارة شركة الغاز يوم الجمعة، أول أيام العيد، في توقيت وصفه بـ“المريب”، في محاولة لتمرير القرار بهدوء، قبل أن يؤدي تداوله الواسع إلى تدخل حكومي عاجل وإيقافه.
وأشار أحمد إلى أن هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول حقيقة أزمة الغاز التي تعاني منها المناطق المحررة منذ نحو ثلاثة أشهر، رغم عدم وجود تغير ملحوظ في حجم الإنتاج أو الاستهلاك، لافتًا إلى معلومات رسمية تحدثت عن تهريب كميات من غاز مأرب إلى مناطق سيطرة جماعة الحوثي، عبر التلاعب بحصص التوزيع.
واستدل بكشوفات تظهر تخصيص 12 قاطرة غاز لمنطقة الفرشة بمحافظة لحج تحت مسمى “مخزون”، بما يعادل أكثر من 25 ألف أسطوانة، في وقت تعاني فيه مدن رئيسية مثل عدن من نقص حاد في المادة، ما أثار تساؤلات حول آليات إدارة الإمدادات والجهات المستفيدة من هذه الكميات.
ومع تصاعد الضغوط الشعبية والإعلامية، سارعت الحكومة إلى التدخل، حيث أصدرت الشركة اليمنية للغاز مذكرة رسمية قضت بإيقاف العمل بالتسعيرة الجديدة فورًا، والعودة إلى الأسعار السابقة، إلى حين مراجعة آلية التسعير ووضع معالجات تضمن قدرًا أكبر من العدالة والاستقرار.
كما وجّهت الشركة تعليمات عاجلة إلى فروعها في مختلف المحافظات بضرورة الالتزام بالقرار، في خطوة هدفت إلى احتواء الغضب الشعبي ومنع تفاقم الأزمة، خاصة في ظل استمرار شح الإمدادات في عدد من المناطق.
ويرى مراقبون أن التراجع السريع يعكس حجم الفجوة بين صناع القرار والواقع المعيشي للمواطنين، كما يكشف عن غياب سياسات واضحة ومستدامة لإدارة قطاع الغاز، حيث تتكرر الأزمات بين نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، دون حلول جذرية تضمن استقرار السوق.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذه الاختلالات، سواء في التسعير أو التوزيع، قد يؤدي إلى ترسيخ السوق السوداء كبديل فعلي، خاصة إذا ما تم “شرعنة” الأسعار المرتفعة رسميًا، وهو ما كان سيحدث في حال استمرار القرار الملغي.
في المحصلة، تعكس أزمة “الجرعة” الملغاة صورة أوسع للأزمة الاقتصادية في اليمن، حيث تتقاطع التحديات المعيشية مع اختلالات الإدارة والرقابة، في وقت يزداد فيه العبء على المواطنين الذين يواجهون واقعًا اقتصاديًا قاسيًا، يجعل أي قرار غير مدروس كفيلًا بإشعال موجة غضب قد يصعب احتواؤها.













































