اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
فوق سرير استشفاء منهك داخل مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، كانت الأنفاس المتعبة للعقيد أحمد القدرة، المعروف بكنية 'أبو عبد الله'، تسابق آلام إصابات ميدانية سابقة واعتلالات صحية مزمنة، حين أنهت غارة جوية إسرائيلية مسيرة رجل عاش حياته على حافة الخطر.
لم تكن نهاية القدرة في المشفى مجرد رحيل عابر لضابط شرطة، بل كانت المحطة الختامية لقائد أمني كرّس زهرة شبابه لحماية الجبهة الداخلية من أخطر التهديدات المجتمعية، مفضلاً على مدار عقود البقاء في خندق مسؤوليته على العودة إلى دفء بيته وعائلته.
ترجل العقيد مخلّفًا وراءه ولديه عبد الله وعمر، وأربع بنات، وأسرة ممتدة اعتادت ترقّب إطلالته الخاطفة، وعائلة كبيرة رأت فيه دومًا سندًا وحكمًا رشيدًا يستنير برأيه القريب والبعيد.
غير أن فصول حكاية 'أبو عبد الله' لم تُكتب تفاصيلها فوق أسِرة المشافي؛ بل نُسجت خيوطها عبر سنوات مديدة من البذل، صودرت فيها حياته الخاصة لصالح أمن المجتمع، قبل أن تُعمّق ويلات الحرب المسافة بينه وبين فلذات أكباده، وفق ما يرويه رفيق دربه المقرب 'أبو أحمد' لصحيفة 'فلسطين'.
عقيدة أمنية لا تعترف بالدوام
يستحضر أبو أحمد ملامح تلك المسيرة مؤكدًا أن صديقه الراحل لم يتعامل يومًا مع موقعه بوصفه وظيفة روتينية تبدأ بقرع جرس الدوام وتنتهي بانقضائه، بل اعتبرها أمانة وطنية ورسالة أخلاقية ملزمة. فقبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان يقضي الأيام تلو الأيام مرابطًا في مقر عمله، معتادًا المبيت في مكتبه لأسابيع متصلة استجابةً للضرورات الأمنية الملحة ومقتضيات الاستقرار العام، ولم تكن زياراته لبيته تتعدى ساعات خاطفة يطمئن فيها على عياله ثم يعود مسرعًا إلى الميدان.
وعلى امتداد نحو أحد عشر عاماً قضاها في جهاز مكافحة المخدرات، حمل القدرة على عاتقه أثقل الملفات وأكثرها حساسية وخطورة في قطاع غزة. خاض مع زملائه حربًا ضروسًا ضد عصابات التهريب وشبكات ترويج السموم، واضعًا نصب عينيه حماية الشباب الفلسطيني من محاولات الإسقاط والإفساد الممنهج، وملاحقة خيوط الجريمة المنظمة بعزيمة لا تلين ويقظة لم تعرف التراخي، ما جعل اسمه عنوانًا للأمان المجتمعي.
محطات القيادة والتدرج الشرطي
تعود جذور العمل الأمني للعقيد القدرة إلى البدايات الأولى، إذ التحق بالقوة التنفيذية عند تأسيسها، وكان من أبرز قادتها الميدانيين في محافظة خان يونس بفضل ما تحلى به من حزم وحسن إدارة.
ومن تلك النواة الصلبة، تدرج بثبات في المسؤوليات والرتب الشرطية، متوليًا مناصب قيادية رفيعة؛ فقد قاد جهاز مكافحة المخدرات على مستوى قطاع غزة كاملاً، وعُيّن مديرًا لشرطة محافظة خان يونس، كما أوكلت إليه إدارة الشؤون المدنية لفترة، وأشرف على إدارة المعبر في مرحلة أخرى حساسة، مبرهنًا في كل موقع على كفاءة قيادية نادرة وانضباط مؤسسي عالٍ.
ولم يكن هذا الالتزام الميداني الصارم ليثنيه عن تطوير ذاته معرفيًا؛ فبالرغم من أن مسيرته الجامعية تعثرت في مستهلها بكلية التمريض في الجامعة الإسلامية نتيجة أعباء التأسيس الشرطي، فإنه أعاد ترتيب أولوياته لاحقًا مستأنفًا مساره العلمي بعزيمة لافتة.
واستطاع القدرة نيل درجة الماجستير في الخدمة الاجتماعية بامتياز، موظفًا فهمه الأكاديمي للظواهر المجتمعية في معالجة القضايا الأمنية والسلوكية، وكان يعكف على إعداد أطروحة الدكتوراه قبيل استشهاده، راسمًا نموذجًا فريدًا للضابط الذي يجمع بين صرامة رجل الأمن ورؤية الباحث الاجتماعي.
داخل جدران بيته، تحول غياب القدرة إلى طقس اعتيادي تعايشت معه أسرته برضا وصبر؛ إذ لم يكن الأبناء يرتقبون عودة والدهم في موعد يومي ثابت، بعدما أضحى تأخره واحتجازه في مهام العمل جزءًا أصيلاً من تفاصيل حياتهم.
وبالرغم من تلك العتمة التي فرضها الغياب، حرص أحمد القدرة على غرس القيم الرفيعة في نفوس أبنائه؛ فنشأ عبد الله وعمر على حفظ كتاب الله وإتقانه، وتميزت كريماته الأربع بتفوقهن الدراسي الباهر.
ورغم ضيق الوقت، كان الشهيد يقتنص الساعات الشحيحة لصلة رحمه؛ فإذا عاد أحد أشقائه أو شقيقاته من بلاد الاغتراب، بادر إلى استقبالهم بحفاوة وكرم استثنائيين قبل أن تعيده نداءات الواجب، فضلاً عن حرصه على مشاركة العائلة أفراحها وأتراحها متى سمحت الظروف الأمنية، وإن ظلت تلك الأوقات نزرًا يسيرًا لا يقاس بحجم السنين التي التهمها العمل.
فراق الحرب المرير
خارج نطاق العمل والمنزل الضيق، تمتّع العقيد بمكانة مرموقة داخل عائلة القدرة؛ فقد كان صاحب رأي راجح وكلمة نافذة، يستشيره كبير العائلة في المعضلات وإصلاح ذات البين. ونظرًا لتجرده وسمو خلقه، قصده أبناء العائلة بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية طلبًا للنصيحة والعون، فوجدوا فيه أخًا ناصحًا لا ينحاز إلا للحق والخير.
غير أن نيران الحرب الأخيرة عمّقت جراح البعد؛ إذ حوصر القدرة في مدينة غزة قرابة عام كامل بعد انقطاع أوصال القطاع إبّان الحرب، عاجزًا عن لقاء أسرته. وحين تمكن أخيرًا من الوصول إلى خان يونس، لم تدم فرحة لم الشمل سوى بضعة أشهر حتى استعرت جرائم الاحتلال مجددًا لتبعده ثانية، لتتحقق مقولة والدته المكلومة التي لخصت المأساة بمرارة: 'لم نتهنّ به'، بعدما حُرمت رؤيته حيًا، لتودعه شهيدًا في كفنه.
يختم أبو أحمد شهادته بالتأكيد على أن تضحية القدرة لم تكن استثناءً فرديًا، بل هي مرآة تعكس واقع مئات الضباط الذين دفعوا من استقرار بيوتهم ثمنًا لحماية مجتمعاتهم. لقد عاش العقيد القدرة حياة مزدوجة استهلك الواجب العام معظم تفاصيلها، تاركًا قلوبًا ظلت تنتظره على الدوام. وحين حانت لحظة الوداع، كان ممددًا فوق سرير العلاج، بعيدًا عن أسرته كما اعتاد دائمًا، إلا أن هذا الغياب لم يعد مؤقتًا كسابقاته، بل كان الرحيل الأبدي الذي خلد اسمه حاميًا للديار وشهيدًا في ذاكرة أهله ووطنه.

























































