اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
مرّ عامٌ على دخولي تجربة الخدمة في القطاع العام. لم تكن سنةً وظيفية فحسب، بل تجربة إنسانية واجتماعية مختلفة؛ اقتربت خلالها من هموم الناس وتفاصيل حياتهم اليومية عن قُرب، رغم أعيش بينهم.
خلال هذا العام، تعلّمت أن خلفَ كل معاملة حكاية، وخلف كُلَّ طلبٍ حاجة، وخلفَ كثيرٍ من المواقف الصعبة ظروفاً لا نعرف تفاصيلها. فما يراه البعض إجراءً إدارياً عادياً قد يُمثّل لشخصٍ آخر مسألة حياة أو أملاً أو انتظاراً طويلاً.
وفي زحام المعاملات، قد يبدو طلبٌ ما مجرد ورقة أو خطوة روتينية، لكنهُ قد يحمل قلق انتظار، أو حاجة ملحّة، أو شعوراً بأن صاحبه يقف أمام باب لا يعرف كيف يطرقه. وحين يجد الإنسان من يصغي إليه ويشرح له وضعه بصدق ووضوح، يخفُّ ثقلَ الموقف حتى لو لم تُحلّ المشكلة بالكامل. هنا ترسّخ لديّ أن الاستماع إلى الناس نصف الحل، وأن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يحل مشكلته بقدر حاجته إلى من يسمعه ويفهمه ويحترم ألمه.
وتعلّمت أن التعامل مع الناس ليس أمراً بسيطاً؛ فلكلِ إنسان طبعه وظروفه وطريقته في التعبير عن حاجته. هناك من يأتيك ممتناً، ومن يأتيك غاضبًا، ومن يحمّلك أوجاعاً أكبر من الموقف نفسه. وحسن التعامل لا يُقاس بطريقة استقبالنا لمن يتفق معنا، بل بقدرتنا على احترام الجميع والتعامل معهم بإنسانية وعدالة. كما أن احترام الإنسان لا يكتمل بحسن استقباله فقط، بل بتحقيق العدالة في التعامل معه، وبأن تكون الخدمة حقّاً يُقدّم للجميع دون تمييز أو محاباة، بعيدًا عن تأثير العلاقات أو المواقع أو الاعتبارات الشخصية.
ولا أستطيع أن أتحدث عن عامي الأول دون أن أشير إلى بيئة العمل التي تجعل تحمّل المسؤولية أخفّ. بيئة يشعر فيها الإنسان أنه بين زملاء لا بين منافسين؛ يتبادلون الخبرة، ويتساندون عند الضغط، ويشاركون همومهم اليومية بروح من الاحترام والتعاون. روح تشبهُ العائلة في أفضل معانيها: مساندة، وسماع، ووقوف إلى جانب بعضهم بعضاً حين تشتد المهام. ومثل هذه البيئة لا تلغي المسؤولية، لكنها تجعل أداءها أكثر إنسانية وثباتاً.
وفي هذا لا بد من القول، أنَّ لحكمة الإدارة أثرٌ واضح. فالإدارة الحكيمة لا تُقاس باللين وحده، ولا بالحزم وحده، بل بالقدرة على الموازنة بين التعليمات والإنسان، وتوزيع المسؤوليات بعدل، والإنصات لمن يعمل، وتصحيح الخطأ دون تجريح، وحماية الفريق، وتشجيع الاجتهاد. وحين يشعر الموظف أن إدارته تسمع وتفهم وتعدل، يزداد حرصه على أداء واجبه، ويشعر أن جهده مرئي ومحترم.
كما أدركت أن العمل العام يضع الإنسان أحياناً بين ما يُريده الناس وما تسمح به الأنظمة والتعليمات، وبين التعاطف الإنساني والالتزام المؤسسي. وليس كل طلب يمكن تلبيته، لكن الرفض المؤدب، والشرح الواضح، واحترام كرامة من يقف أمامك، كلها تصنع الفارق بين أداء واجبّ إداري جامد وخدمة تُحافظ على إنسانيتها. وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية: أن تكون قريباً من الناس دون تجاوز القانون، وأن تكون ملتزماً بالإجراءات دون أن تفقد إنسانيتك.
كما أدركت أن المواقع والمسؤوليات تضع العلاقات أمام اختبارات حقيقية؛ فالمواقف تكشف ما لا تكشفه المجاملات، وتُظهر معادن الناس، وتُميّز بين العلاقات القائمة على الاحترام وتلك التي تحكمها المصالح. فليست قيمة الإنسان بعدد علاقاته، بل بصدق مواقفه وثبات مبادئه، خصوصاً عندما تتغير المواقع والظروف.
ورأيت من أوجاع الناس ما يجعل الإنسان يعيد التفكير كثيراً، لكنني رأيت أيضاً أن النخوة لم تغب. فمهما اشتدت المصائب وضاقت الظروف، ما زالت القلوب تحمل الرحمة، وما زال الناس يقفون إلى جانب بعضهم بعضاً في أصعب اللحظات. وتعلّمت ألّا أكتفي بالحكم على المواقف من ظاهرها؛ فحين نبحث في الأسباب ونقترب من التفاصيل، نُدرك أن كثيراً مما يحدث لا يأتي من فراغ، وأن وراء كل موقف ظروفاً تستحق أن تُفهم قبل أن يُصدر الحكم عليها.
وبات واضحاً لديّ أن الخدمة العامة لا تعني تحقيق مصلحة شخصية، أو البحث عن مكسب أو موقع أو وجاهة اجتماعية، بل القيام بالواجب الأخلاقي قبل الوظيفي، وتحمل المسؤولية بأمانة، وتقديم ما تستطيع للناس دون انتظار مقابل أو مديح. فالموقع الوظيفي ليس امتيازاً على الآخرين، بل مسؤولية تجاههم، وقيمة أي موقع لا تُقاس بما يمنحه لصاحبه، بل بما يتيحه له من قدرة على خدمة الناس.
بعد عام من هذه التجربة، أصبحت أكثر يقيناً بأن الخدمة العامة ليست مجرد وظيفة أو موقع، وليست محصورة في إنجاز المعاملات وتطبيق الإجراءات، بل هي مسؤولية إنسانية وأخلاقية، قوامها الإصغاء والتفهّم والعدل واحترام كرامة الإنسان. وتزداد هذه المسؤولية قيمة حين تجد بيئة عمل متعاونة، وزملاء يساند بعضهم بعضًا، وإدارة تُحسن الإنصات والموازنة بين الحزم والإنصاف.
وأيقنت أن الوطن يستحق أن يُخدم بأشكال عديدة؛ فهناك من يخدمه في موقع المسؤولية، وهناك من يخدمه بإتقان عمله، وهناك من يخدمه بموقف صادق، أو كلمة طيبة، أو يد تمتد لمساعدة محتاج.
في عامي الأول، لم أتعرف إلى وجوه جديدة فحسب، بل تعرّفت أكثر على وجوه الوطن الحقيقية؛ إلى أوجاعه وتحدياته، ونخوته وإنسانية أهله. تعلّمت أن الناس ليسوا أرقاماً في معاملات، وأن وراء كل ملف إنساناً له قصة وظرف وحق يستحق الاحترام.
عامٌ مضى، وما زال أمامنا الكثير لنتعلّم ونقدّم. فالمناصب والمواقع تتغير، والعلاقات تتبدل، لكن ما يبقى هو أثر الإنسان في حياة الآخرين، وما يتركه من مواقف طيبة وسيرة تستحق الاحترام.
فبعد عامي الأول، أدركت أن الخدمة العامة ليست اختباراً لقدرتك على التعامل مع المعاملات، بل اختبار لقدرتك على التعامل مع الإنسان؛ فالإجراءات تُنظّم العمل، والقانون يحكمه، لكن الأخلاق والضمير هما ما يمنحان الخدمة معناها.
فالوطن لا يُخدم بالمواقع التي نشغلها، بل بالواجب الذي نؤديه، والأمانة التي نحملها، والأثر الذي نتركه في حياة أبنائه.

























































