اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ نيسان ٢٠٢٦
اختبار سلمي للتعبير عن التنوع أفضى مباشرة إلى فرز شارع مقابل آخر وباحثون يشيرون إلى 'انقسام مجتمعي فادح'
لم يكن الجدل حول الأحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة السورية دمشق ومدن أخرى من تظاهرات تتعلق بظاهرها حول خلاف يرتبط بتنظيم بيع المشروبات الروحية في دمشق أو إغلاق أماكن تقديمها التقليدية، مجرد حديث مجتمعي يمكن العبور فوقه بيسر، فأمام أول اختبار سلمي حقيقي للتعبير عن التنوع أفضى مباشرة إلى فرز شارع مقابل آخر: الأول خرج في باب توما رافعاً شعارات تتعلق بالحريات الشخصية، لتقابله شوارع ترفع شعارات دينية صرفة وأخلاقية محضة، وبين الصورتين لا يمكن استثناء المشهد في أية قراءة للمزاج العام.
يرى مهتمون بالشأن السوري الحادثة ضمن ظاهرة أعمق وأكثر بعداً من مجرد خلاف على قرار إداري، وإنما جاءت كتعبير عن انقسام مجتمعي فادح يتصل بطبيعة المجال العام والحدود الفكرية والتعبيرية والشخصية، ومنهم يجري الانطلاق نحو هوية الدولة ككل متكامل، بخاصة أنها تزامنت مع اعتداءات مناطقية بصبغة طائفية على مدينة محردة المسيحية في سهل الغاب وسط سوريا، ليكون العنوان الأعم هو 'نفوس محتقنة'.
يقول الباحث في علم الاجتماع ديب زنبق، إن 'المجتمع السوري ليس ابن يومه، فهو نتيجة اجتماع ظروف تاريخية تمتد لقرون طويلة أسهمت نهاية في بلورة واحد من أشكاله التي نراها اليوم، فالمدن الكبرى التي احتوت وصادرت منذ قرون طبيعة المجتمع المدني ثقافة وتعايشاً، قابلها حال ريفية مغلقة أو شبه مغلقة حافظت على انغلاقها التام وصادرت طوائف ومكونات بأكملها، وفي سوريا يعرف مجمل الباحثين أن صراعاً لم يخمد يوماً كان قائماً على معادلة ريف – مدينة، حتى إن بعض المفكرين أطلقوا في بدايات الحرب على ما كان يحصل اسم ثورة الريف على المدينة، وهذا لا يعيب طرفاً، ولكنه يعيب أنظمة لم تنجح في تظليل المجتمع ضمن عقود اجتماعية واضحة، فهنا نجد أنفسنا أمام سؤال وجودي يتجاوز البعد التاريخي ليرتبط بالآني وهو: الآن، من سيحدد شكل الحياة العامة في البلاد بعدما أماطت الحوادث الأخيرة اللثام عما كان مختبئاً تحت الرماد؟'.
عام 1946 نالت سوريا استقلالها عن فرنسا، وبدأت تلتمس طريقها نحو بناء الدولة الوطنية، وسرعان ما برعت في إفراز تيارات سياسية لافتة وقد ترك كثير منها الأثر الواضح حتى يومنا هذا، إذ عرفت سوريا بعد الاستقلال تيارات يسارية وقومية، ووقتذاك كاد يهيمن الحزب السوري القومي الاجتماعي على المشهد لولا اغتيال الضابط البعثي عدنان المالكي عام 1955 واتهام الحزب بالحادثة وملاحقته لعقود، لكن أحزاباً أخرى استمرت كالبعث والاشتراكيين والشيوعي وغيرهم، وظهرت تيارات مدنية ليبرالية ضمت بين جنبيها نخبة المجتمع الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك بزغ نجم الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى.
يقول الشيخ محمد برني المنتمي سابقاً لجماعة الإخوان 'في تلك المرحلة كانت الأطراف السياسية متصارعة في برامجها، لكنها كانت تفلح في حل الخلافات تحت سقف البرلمان وضمن الدولة من دون تجييش وإقصاء وكراهية. خضنا انتخابات 1947 وحصلنا على مقاعد عدة، وكذا في الانتخابات التالية، وبعد عام 1960 حصلنا على أكثر من 10 مقاعد، وتولى من جماعتنا الشيخ معروف الدواليبي رئاسة البرلمان، ثم رئاسة الوزراء، وكان لدينا وزراء، وأسهمنا كجماعة رفقة بقية التيارات بوضع دستور عام 1950، وبقينا موجودين إلى أن تم حظر الجماعة في سوريا تماماً عام 1982 وتجريم الانتماء إليها بالإعدام'.
اختارت جماعة الإخوان لاحقاً طريق السلاح، فخاضت معركتين في مدينة حماة، الأولى في مواجهة الرئيس أمين الحافظ عام 1965، والثانية في مواجهة حافظ الأسد عام 1982. ويتضح من كلام الشيخ برني أن سوريا فعلياً عاشت عقوداً من الحرية السياسية والفكرية، بصرف النظر عن التباين والشرخ الواسع في أهداف وتطلعات كل جماعة وتيار.
يذكر التاريخيون أن الجيد في تلك المرحلة هو أن السلطات المتعاقبة نجحت في احتواء الخلافات قبل تفجرها، لكن ذلك الاحتواء كان بمثابة تسكين ألم من دون علاج أسبابه، وهي الأسباب التي ظلت كامنة بانتظار أية فرصة للانفجار، فالتيار الإسلامي بمراجعة بسيطة لدوره السياسي آنذاك كان يبحث عن دولة ذات طابع ديني وفق تصور أخلاقي معين، مقابل تيارات سعت لتكون سوريا دولة مدنية عصرية تعمل وفق دستور وقانون وحريات واضحة، وهنا يبرز الرئيس شكري القوتلي، ويجمع الباحثون، كخير من استطاع العمل ضمن المشروع الجماعي لبناء الوطن (1943- 1949) والفترة الثانية (1955- 1958)، التي انتهت بتوقيعه اتفاق الوحدة مع مصر وتنازله عن رئاسة سوريا فنال لقب المواطن الأول.
في العقود الماضية كان من السهل ملاحظة كمية السجال السياسي والديني والنقاشات الهادئة والمحتدمة منها، وضمن تلك الحملات طغى الجانب الديني مرات على حساب التيارات الليبرالية وتلك المتأثرة بالفكر السوفياتي، فتعرضت شخصيات وطنية جامعة لحملات تشويه سمعة كبرى ترقى إلى مرحلة التصفية المعنوية، وتلك الحملات بطبيعة الحال لم تكن مرتبطة بالبرامج السياسية للخصوم بل برؤيتهم شكل المجتمع والدولة ومستقبلهما ومعهما كيفية وطريقة صناعة الهوية الجامعة.
في تلك الأعوام بمرحلة ما بعد الاستقلال لا حديث عن وجود فعلي للعلويين والدروز والإسماعيليين على الساحة السياسية، بل يمكن القول إن الصراعات كانت سنية – سنية، فحتى التيار التقدمي الموسوم بالانفتاح كان محمولاً على الزعامات السنية التقليدية، وعلى رأسها خالد العظيم، رئيس الحكومة حينها أكثر من مرة، وأحد أوجه الطبقة السياسية الدمشقية، وأشرس المدافعين عن مدنية الدولة، يضاف إليه زعيم الحزب الشيوعي السوري السياسي الشهير خالد بكداش، وكانا ومعهما مجمل سياسيي التوجه ذاته وضمنهم رؤساء الجمهورية حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وشكري القوتلي وقيادات البعث ومنظروه ميشيل عفلق وصلاح البيطار، رفقة كثر آخرين من مسؤولين تعرضوا لهجمات دينية متواصلة تستهدف استئصال الفكرة لا الموقع السياسي.
بدورها لم تكن الكتل التقدمية أقل عداوة فكرية واستهدافاً للتيارات الإسلامية، كذلك كان تشويه السمعة والاستهداف الفكري يقاد بشكل ممنهج، وكان يبرع في ذلك الرؤساء المتعاقبون بحكم موقعهم الأرفع وخشيتهم الأوسع من الجماعات الإسلامية وتأثيرها في طبيعة الحكم داخل الدولة ضمن إطار صراع متباين في فروقه الوطنية بشكل جلي، بين من يخاف الآخر خشية على مكانة، ومن يحارب الآخر من أجل مشروع فكري – سياسي يفضي في ختامه إلى رسم الهوية الوطنية.
بعيد وصول اللجنة العسكرية البعثية إلى حكم سوريا عام 1963 ثم حكم حافظ الأسد عام 1971 تغيرت معادلة الماضي جذرياً، ولم تعد هناك نقاشات يمكن أن تحتدم، ذلك أن سياسة تكميم الأفواه قد عمّت، ولو فُتِحت تلك الأفواه لقوبلت بالنيران، وقد جرب الإخوان ذلك عام 1982 يوم هدم حافظ الأسد مدينة حماة فوق سكانها إثر التمرد الإسلامي هناك حينها.
عملياً، جمّد الأسد الأب النقاش الأساس منه والفرعي، وأحكم سيطرته بقبضة من حديد على الفضاء العام، صار الناس يخشون الحديث ولو همساً. وفي عهد تولي الضابط غازي كنعان جهاز الأمن العسكري بالمنطقة الوسطى في مرحلة مبكرة من حكم الأسد سادت مقولة 'الجدران لها آذان'، مما يعني أن كنعان قد وضع مخبراً على كل مواطن، وفي تلك الأثناء كان الأسد يعمل على تقديم نظامه بغلاف مدني يحمل الطابع القومي العلماني الذي يحمل على ظهره هموم الأمة من المحيط إلى الخليج، ويتخذ من معاداة الغرب شعاراً لا يمكن المساومة عليه.
عند سؤال من عاصر تلك المرحلة من كبار العمر، يجيب معظمهم بأنهم لم يعرفوا في البداية إن كان يجب أن يتوسموا خيراً في حكم حافظ أم لا، خصوصاً أنه أول علوي يصل لسدة الحكم الشامي، وبأنه قادم من خلفية عسكرية صارمة، ولتوه انقلب على رفاق عمره وأودعهم غياهب السجون، لكنه قدم وعوداً بالإصلاح والتغيير، والأهم أنه نجح في مخاطبة مشاعر الأمر المرهقة منذ نكسة عام 1967، وليكون الخطاب العاطفي مكتملاً خاض حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 ليكرس نفسه قائداً شجاعاً في قلوب الشعوب التي افتقدت شجاعة جمال عبدالناصر المحمولة على البعد العاطفي أيضاً. في ذلك، نقل مقربون عن حافظ في سنين خلت أنه كان يسعى ليكون زعيماً عربياً كما عبدالناصر.
يقول أستاذ العلاقات السياسية ماهر مارديني 'الأسد فعلاً حلّ الأحزاب والمنتديات، وأبقى على حزب البعث، ووضع له المادة الثامنة في الدستور التي تقول (الحزب هو قائد الدولة والمجتمع)، وقد أزيلت هذه المادة نظرياً من دستور عام 2012 تحت ضغط الشارع الثائر ولكنها بقيت موضع التنفيذ في كل مفاصل الدولة، وبعدما حلّ الأسد الأحزاب شكل أخرى أو أعاد تشكيل بعض السابقة ولكن وفق رؤيته، ووضعهم كلهم ضمن ما يعرف بـ(الجبهة الوطنية التقدمية) التي يرأسها البعث، وبالضرورة أصبح البرلمان معظمه بعثياً، وتحول إلى مؤسسة صورية، وفي السياق صودرت الحريات الصحافية بشكل شبه مطلق، ومنابر المساجد تعرضت لمراقبة لصيقة، بل إن المشايخ باتوا بعثيين'.
وفي الإطار، هناك كلمة شهيرة للرئيس جمال عبدالناصر يقول فيها 'البعث حوّل سوريا إلى بعثي وسوري، البعثي له كل شيء، والسوري ليس له شيء'. وفعلياً، وجد السوريون جميعاً أنفسهم بعثيين ولو من غير أن يسألوا، إلا قلة نجت بنفسها من دون عواقب، ولكنها حرمت الحقوق الطبيعية، وأولها الحق في الوظائف ودخول الجيش.
كان الأسد حساساً جداً تجاه الخطاب الديني، وحساساً أكثر حيال انتمائه لطائفة لا تعترف بها الطوائف الإسلامية الأخرى، ولم يطمئن قلب الأسد حتى أصدر المرجعية اللبناني الإمام موسى الصدر فتوى عام 1973 تقول إن 'الطائفة العلوية هي فئة تنتسب إلى الطائفة الشيعية الاثني عشرية'، وكثيراً ما يغمز خصوم الأسد أنه على رغم العلاقة اللافتة بين إيران وسوريا على اعتبار أن سوريا كانت أول دولة اعترفت بانتصار الثورة الإسلامية عام 1979، فإن الخميني لم يقبل لقاء حافظ الأسد ولو مرة واحدة، ويعيدون ذلك لأسباب أيديولوجية.
الأكاديمي في مناهج البحث السياسي علي شويفاتي يقول 'نعرف من دراستنا للسياسة أن حافظ كان راقصاً على حافة الهاوية، فالرئيس الذي نجح في إحداث طفرة ديكتاتورية مرضي عنها أسكت الجميع ثم أطلق سراح من يريد له الحديث، فاندمج في المجتمع السني حد الالتصاق، جاعلاً معظم قيادات الحزب والجيش من الطائفة السنية، ومتكئاً على شيوخ دمشق التاريخيين لإمساك الشارع على أن يبقى هذا الشارع مغرقاً في الاعتدال والوسطية، لم تكن هناك فسحة ليتسلل منها الخطاب السلفي فعلياً. وفي الوقت ذاته حافظ على التوجه العلماني، فلم يسمح لأحدهما بأن يطغى على آخر، وفي ذلك إدارة لانقسام لا حلّ له، وهكذا فإن حافظ نفسه لم يحسم هوية الدولة بل أجل النقاش حولها ودفنها تحت البطش الأمني، وذلك التوازن الذي برع به حافظ أطاحه بشار'.
يعلم الجمع ممن يهتم بالشأن السوري أن بشار الأسد لم يكن مؤهلاً ليحكم سوريا، ولم يكن جاهزاً أساساً لمهمة كهذه، بعيداً من التجاذبات السياسية، لكن في التاريخ حقيقة تبقى راسخة دائماً، فالأسد الأب مات من دون أن تلمس قدماه أرض أميركا، بل نجح في جلب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى دمشق عام 1974، إضافة إلى الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأميركي هنري كسنجر لدمشق بين 1973 و1975، كذلك فإن حافظ لم يقبل لقاء الرئيسين جيمي كارتر وبعده بيل كلينتون في واشنطن، وفرض أن يكون اللقاء في أرض محايدة، وكان ذلك في جنيف عام 1977 وعام 2000.
حين توفي حافظ سارعت وزيرة خارجية أميركا حينها مادلين أولبرايت بزيارة دمشق على الفور ولم يكن حافظ دفن بعد، والتقت بشار الأسد قبل أن يكون رئيساً، وجاءت آنذاك تمنحه خارطة طريق واعتماداً دولياً، لكن بشار فهم الدعم الأميركي والفرنسي والغربي عامة بصورة مشوشة، فما كان يجدر به فعله، فعل عكسه تماماً، فالعقود الثلاثة التي لم يسمح بها حافظ للتيار المتطرف أن يمدّ رأسه فيها داخل سوريا، نسفها بشار فوراً مع غزو العراق إذ تولى مسؤولية إرسال جهاديين للقتال هناك، وفي ذلك خسر أميركا والغرب، وعاد لاستقبال الجهاديين بعد سنين.
حافظ دخل حرب الخليج الثانية رفقة قوات الردع لتحرير الكويت، وفي ذلك غازل أميركا، وقبلها كان دخل لبنان عام 1976 تحت مظلة الردع العربي بمباركة أميركية، وهي الأشياء التي لم يفلح بشار في جعلها متوازنة فارتمى بالحضن الإيراني مرة واحدة، وخرج في قمة عربية شهيرة ليشتم قادة العرب.
مع سقوط نظام بشار أواخر عام 2024 شيء ما كان يوحي بالتفاؤل وعودة الحريات والدخول إلى عهد سياسي جديد يستطيع حمل المجال العام إلى الظهور والحركة بعد عقود من التركين القهري، وبالضرورة برزت تيارات وتكتلات جديدة وعاد معها النقاش حول القضايا الرئيسة والفرعية التي كانت مؤجلة من عهد إلى عهد، ومن بين كل تلك القضايا عاد السؤال حول ما ظل ممنوعاً تداوله لستة عقود: ما الدولة التي سيبنيها السوريون، وكيف سيكون شكلها وطبيعتها؟
يقول المعيد الجامعي في تخصص التاريخ المعاصر سالم معصراني 'هناك أنواع من الثورات، فثورة بيضاء، وأخرى دموية، ثورة تقودها نخب، وأخرى تقودها الجماهير، وثالثة تكون نتيجة اصطفاء طبيعي ينهي حكم مرحلة تآكلت حتى ابتلعت نفسها، وفي سوريا الجماهير قادت الثورة ولذلك من الطبيعي أن ينطلق النقاش الحساس من الشارع اليوم لا من الجامعات أو المنتديات والمراكز الثقافية، وهذا ما يفسر أن أبسط شرارة تشتعل يمكن أن تترك خلفها مشكلات جمة، وتفرز شارعاً مقابل شارع، هذا مجتمع محروم لعقود من التعبير، والآن سينفجر ليعبر عن كل ما يريده، ولأن جانباً واسعاً من الحدث السوري اتسم بالطائفية والمناطقية فمن الطبيعي أن نجد اتساعاً هائلاً في النقاش انطلاقاً من هذه الجوانب، وهذا النقاش لا يستبعد أن ينتهي بالإقصاء، بل أن يكون هدفه الإقصاء أساساً'.
وأضاف 'نجحنا في إسقاط الأسد وهذا حدث عظيم، لكن الكارثة أن سوريا لا تزال واقفة في تلك المرحلة، الآن نحتاج إلى ثورة أخرى وأكبر لإزاحة الخطاب الطائفي عن وجه المجتمع وإعادة دمجه بعد سني الفرقة القسرية، أي إنسان ليس سورياً لن يدرك أين نحن الآن، نحن في منطقة يسودها خطاب لم تعهده سوريا في تاريخها حتى في أيام الحكم العثماني، اليوم خطاب الكراهية والتحريض في ذروته، وتعطى أوامر القتل والتصفية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولدينا أقاليم منفصلة وإدارات ذاتية بحكم الأمر الواقع. على السلطة أن تعيد تهيئة المجتمع ليدرك أن جمال هذا البلد كان في تعايش طوائفه وقومياته الـ18 من دون إقصاء أحد، وباجتماع الكل نعيد تعريف هويتنا السياسية والاجتماعية والدستورية'.
في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة كثيراً ما أفلحت المدن الكبرى في حسم أي توجه مفصلي مرت به سوريا، وهي المدن التي أفشلت تمدد حركة الإخوان في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك نجحت في تأمين ملاءة ظل تستدام على عنصر الشراكة مع السلطة مقابل الاقتصاد، وتبرز من بين تلك المدن دمشق وحلب وحمص على وجه الخصوص: دمشق كعاصمة سياسية، وحلب كعاصمة اقتصادية، وحمص كعاصمة لوأد سردية 'عاصمة الثورة' وإخماد شعلة الطائفية التي عادت لتشتعل منها أخيراً، وتلك المدن نجحت في دعم النظام السابق، وهذا بالضرورة لا يعني أن الحالة الشعبوية فيها كانت داعمة أيضاً، لكن مصدر القوة المؤثرة كان ينبثق من داخلها سياسياً وفكرياً، فيما لعبت مدن أخرى دور التعبئة البشرية القتالية على سبيل المثال.
تلك المدن أفلحت منذ عقود في تشكيل المزاج العام للسوريين عامة في مختلف الميادين، ومنها النضال الذي عرفه السوريون في مرحلة مبكرة سبقت الاستقلال نفسه، بل وامتدت لتتصل بنهايات الحكم العثماني وأفول الإمبراطورية الكبرى مع الحرب العالمية الأولى وتشكيل نواة الجمهورية الأولى في سوريا (1918-1920)، قبل أن تعلن فرنسا انتدابها على سوريا حتى عام 1946.
هذه المدن الكبرى حملت الثقافة على ظهرها فأنجبت أجيالاً متعلمة تنتمي للطبقات الوسطى والفقيرة بعدما كانت العلوم حكراً على الأثرياء، بالتالي مهدت لبلورة الأفكار والتسريع في انخراط المجتمع بفهم ما يدور حوله والانتقال تالياً من حال اللاتنظيم إلى حال الفكر المنظم ضمن تيارات بمعزل عن خلفياتها وأهدافها، وأسهم في ذلك صعود وانتصار ثورات عالمية أرخت بظلالها على الإقليم بأسره.
ذلك التمدن الحضري خلق حالاً من الوعي السياسي الذي أحاط النخبة المدنية نفسها بالمثقفين الذين يتبنون أفكاراً معاصرة تدافع عن الحريات الشخصية وشكل الهوية الحديث، فيما مالت المدن المغلقة والأرياف نحو تيارات تدعم الخطاب المحافظ القائم على الأعراف والتقاليد السائدة، وبين الاثنين فجوة كثيراً ما برعت مدن القرار في حسمها لصالحها على الدوام.
يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي مازن صبري إن 'ما يحصل اليوم في سوريا يصعب معه التنبؤ بما إذا كانت المدن الكبرى ستفلح هذه المرة في حسم الصراع لصالحها أيضاً، فما يحصل الآن تخطى أية حقبة تاريخية سابقة، ليس لأن السوريين لم يتعايشوا قبلاً، بل لأنهم الآن عاجزون عن فهم كيف سيتعايشون، وعاجزون أكثر عن إعادة فرز أنفسهم ومحيطهم وفهم التركيبة الجديدة من حولهم وهم المحاطون بأحكام الشرعية الثورية التي خلقت حتى الآن من النزاعات والمشكلات ما يفيض، وفي ما فاض صار الخطاب ما بعد الطائفي مناطقياً بامتياز على أساس أن الدمشقي على سبيل المثال لا يستطيع التفاهم مع طبيعة مرحلة عنوانها 'من يحرر يقرر'، وكذا بقية المدن، في ما خلا إدلب التي ما زالت تحفظ روح الثورة وترسل تلك الثورة لتحكم المدن، وعليه لا يمكن التكهن بمن سيحسم شكل الدولة مستقبلاً، لأننا قريباً لن نكون أمام معضلة أقليات وأكثريات دينية، بل أمام أقليات وأكثريات فكرية'.
تتحدث مراكز أبحاث ودراسات عن تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس أحمد الشرع تباعاً، وكذلك تؤكد استطلاعات دولية للرأي حول الموضوع، لكن المهم في كل ذلك هو نبض الناس على الأرض، فعادةً ما تبنى الدراسات على منهجية أكاديمية ورقمية حديثة شاملة، لكنها في ذروتها لا ترقى إلى مستوى سماع صوت الجياع، والجوع هنا في تفاقمه يذهب بالشرعية إلى حدودها الدنيا بمعزل عن الحاكم أيّاً كان، فكما كان أهل الساحل يتهامسون شتماً للأسد بعد المجاعة التي رسخت منذ عام 2019، يمكن أن يطاول ذلك العهد الجديد بعد تجاوز مرحلة نشوة النصر.
وبحسب البرلماني السابق مفيد حسّون، فـ'في الحرب، أو بعدها، لا يعود الناس كثيراً يهتمون بطبيعة الحكم والحاكم نفسه، قد يصفقون له طويلاً وأعواماً، لكن حين يأتي المساء ولا يستطيعون إطعام أطفالهم سيبدأون بالتفكير في اتجاهات أبعد، الناس اليوم يريدون الأمان، المال، والعمل، والاستقرار، ودولة لجميع أبنائها، ووقف الانتهاكات، ووقف التغييب القسري والاختطاف، وإعادة الإعمار، وعودة المهجرين، وتدعيم الصناعة والزراعة، وحكومة وجيش تشاركي، وإن توافرت هذه الشروط للعامة من كل الطوائف فحينها لا يهم من هو الرئيس ومن أي طائفة أو خلفية، ولكن في سوريا أيٌّ من هذا لم يحدث'، ويتابع 'اليوم هناك تكرار لسيناريو الأمس، مضاف إليه أشياء أقسى، كمثل أن تكون فاتورة الكهرباء ضعف راتب الموظف، تزامناً مع فصل عشرات آلاف الموظفين، وعشرات أو مئات عقود الاستثمار الوهمية، ويمكن الحديث هنا عن تعسف مرتبط بفساد مشهود ومبالغ به، والأخطر أنه في الوقت الذي يفترض أن يعود السوريون إلى بلدهم، ثمة شريحة كبيرة تبحث عن هجرة نهائية. هذه المؤشرات تقلص بشكل واسع شرعية السلطة التي قامت على عاطفة التحرير أمام أول اصطدام بالواقع الجاف، السجون نفسها ازدادت، والحكم صار عرفياً أكثر، والمشيخة طغت على القرار المدني الوزاري حتى، ومعه القضائي والمؤسساتي'.
كذلك يرى أستاذ القانون الدولي مدين طريف أن 'السلطة السورية الحالية استمدت شرعيتها من الخارج قبل أن تسيطر على دمشق وتكلل ذلك في لحظة تاريخية استثنائية أطاحت حكم عائلة الأسد الوراثي، لكن تلك الشرعية تخضع بالضرورة لتغيرات جذرية مع مرور الوقت إذا ما أعادت إنتاج أشياء مرتبطة بظلم الماضي، وحتى الآن هناك خلل في إدارة التوازنات المركبة داخل البيئة السورية، وتلك عوامل تؤثر في الرصيد الشعبي للرئيس من نواحٍ عدة'.
وعن تلك النواحي يقول طريف 'الشرع أساساً لا يملك في رصيده أي قبول معقول من الأقليات السورية، وهذه مشكلة، وكذلك لا يملك قبولاً واسعاً في الوسط السني المعتدل، العام منه والنخبوي، فيما تطغى شرعيته في الأوساط التي حاربت في إدلب والأوساط العسكرية والجهادية عامةً، وبينما يسعى ليكون قائداً لا ليذكره التاريخ كمقسم لسوريا فإنه لا يزال محاطاً بتكبيل يمنعه من أداء المهمة كاملة في ظل ظروف إقليمية ومحلية قاهرة، وقد تكون الظروف الداخلية هي الأقسى لناحية المناصرين له في الخط الأمامي، والذين لا يستطيع خسارتهم في سبيل كسب غيرهم، نظراً إلى ما في ذلك من مغامرة كبرى، والحل هنا هو بالعقد الاجتماعي، والتوقف عن القفز فوق المشكلات من دون معالجتها، وللإنصاف لا يلام الشرع كشخص، لكن تلام المنظومة كاملة، بيد أن العبء النهائي سيقع على عاتق المنصب الأعلى، الرئيس'.




































































