اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
خاص مجلة الهديل….
غنوة دريان..
أثار الفنان المصري أحمد الفيشاوي خلال الساعات الماضية موجة من القلق والتعاطف بعدما تحدث عن حالته النفسية عقب وفاة والدته الفنانة سمية الألفي، مشيراً إلى فقدانه شغفه بالتمثيل ومحاولته التعامل مع الحياة ومقاومة أفكار مرتبطة بالانتحار. وبينما تلقى حديثه اهتماماً واسعاً، أعاد أيضاً إلى الواجهة سؤالاً إنسانياً يتجاوز شخصه وشهرته: لماذا ما زلنا نعتقد أن الإنسان الذي يملك المال والنجاح والشهرة يفقد حقه في أن يتألم؟
ربما كانت المفارقة الأكثر حضوراً في ردود الفعل أن الفيشاوي ليس شخصاً يعيش أزمة مادية أو يفتقد إلى الفرص والقدرة على الوصول إلى ما يحتاجه، وهو أمر جعل البعض يتساءل كيف يمكن لشخص يمتلك كل هذه المقومات أن يشعر باليأس. لكن هذه النظرة تختصر الإنسان في ممتلكاته، وتتجاهل حقيقة أكثر تعقيداً: أن الألم النفسي لا يُقاس بحجم الثروة، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم الشهرة.
قد يملك الإنسان منزلاً فاخراً وسيارة وعملاً ناجحاً وحضوراً جماهيرياً واسعاً، لكنه في لحظة فقد أو صدمة أو انهيار نفسي يشعر بفراغ لا تستطيع الممتلكات وحدها أن تملأه. المال يستطيع أن يوفر الراحة، لكنه لا يستطيع إعادة شخص فقدناه. والشهرة قد تجعل آلاف الأشخاص يعرفون اسمك، لكنها لا تضمن بالضرورة وجود شخص واحد تستطيع أن تقول له ببساطة: أنا لست بخير. أما النجاح المهني، فقد يمنح الإنسان التصفيق والتقدير، لكنه لا يمنحه بالضرورة السلام الداخلي.
ولهذا فإن التعامل مع الحديث عن الأفكار الانتحارية باعتباره نوعاً من الدلال أو الترف لأن صاحبها مشهور أو ثري، لا يقلل من قيمة المعاناة فحسب، بل قد يمنع الإنسان من طلب المساعدة في لحظة يكون فيها بأمسّ الحاجة إليها.
وفقدان شخص عزيز يمكن أن يهز حياة الإنسان من الداخل بطريقة لا يراها الآخرون. الإنسان لا يفقد شخصاً فقط، بل قد يفقد معه جزءاً من ذكرياته، وإحساسه بالأمان، وعلاقته بالماضي، وحتى الصورة التي كان يتخيلها لمستقبله. والحزن بحد ذاته تجربة إنسانية طبيعية، لكن عندما يتحول إلى يأس مستمر، وعزلة، وفقدان شديد للشغف، واضطراب في المزاج أو أفكار متكررة عن الموت، تصبح الحاجة إلى الدعم والمساعدة أكثر إلحاحاً.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن السلوك الانتحاري ظاهرة متعددة العوامل، وقد يرتبط بالأزمات النفسية الحادة، والخسارة، والعزلة، والصدمات، ومشكلات العلاقات والضغوط المختلفة، ما يعني أنه لا يمكن اختزاله في سبب واحد أو تفسير بسيط.
ولعل المشكلة الأكبر أننا عندما ننظر إلى المشاهير، لا نرى دائماً الإنسان، بل نرى الصورة التي تظهر أمامنا: ابتسامة على الشاشة، ملابس أنيقة، سفر، نجاح، حفلات، مقابلات وأضواء. لكن الكاميرا لا تصور الوحدة، ولا تدخل إلى الغرف المغلقة، ولا تعرف ماذا يحدث داخل الإنسان بعد أن تنطفئ الأضواء وينتهي التصوير.
قد يكون الإنسان محاطاً بآلاف الأشخاص، ومع ذلك يشعر بأنه وحيد. وقد تتحول الشهرة نفسها إلى ضغط إضافي، عندما يشعر صاحبها بأنه مطالب باستمرار بأن يبدو قوياً وسعيداً ومتوازناً وناجحاً أمام الآخرين، حتى عندما يكون منهكاً من الداخل.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر الأفكار قسوة في نظرتنا إلى الصحة النفسية: نحن نقارن ألم الإنسان بما يملكه، فنقول لمن يتألم: ماذا ينقصك؟ ونقول للشخص الثري الذي يعاني: أنت أفضل من ملايين الناس. وكأن امتلاك الأشياء يجب أن يلغي المشاعر، وكأن الحزن امتياز لا يحق إلا لمن يعاني مادياً.
لكن الإنسان لا يعمل بهذه الطريقة. المشاعر لا تخضع للرصيد البنكي، والفقد لا يفرّق بين غني وفقير، والاضطرابات النفسية لا تختار ضحاياها وفقاً لعدد المتابعين أو حجم الشهرة.
وفي المقابل، فإن الحديث الإعلامي عن الانتحار، خصوصاً عندما يتعلق بشخصية مشهورة، يحتاج إلى مسؤولية كبيرة. فالتغطية المبالغ فيها أو غير الدقيقة قد تؤثر سلباً في أشخاص يعانون هشاشة نفسية، بينما يمكن للخطاب الذي يركز على طلب المساعدة، والدعم، والعلاج، والتعافي أن يكون أكثر فائدة وتأثيراً.
لذلك ربما لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف يمكن لشخص مثل أحمد الفيشاوي، بما يملكه من شهرة ومال ونجاح، أن يصل إلى هذه المشاعر؟ السؤال الأكثر إنسانية هو: كيف نتعامل مع إنسان أعلن بوضوح أنه يتألم؟ وهل نستطيع أن نسمعه قبل أن نحكم عليه؟
في النهاية، المشاهير بشر، والأغنياء بشر، والناجحون بشر، وكل إنسان يمكن أن يمر بلحظة يشعر فيها بأنه عاجز أو مكسور أو فاقد للمعنى. وما يحتاجه الإنسان في تلك اللحظة ليس محاضرة عن النعم التي يملكها، ولا مقارنة بمعاناة الآخرين، بل مساحة آمنة، وشخصاً يصغي إليه، ومساعدة متخصصة عندما تكون هناك حاجة إليها.
فربما تكون أهم رسالة يمكن أن نتعلمها من هذه القصة هي أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يفقد كل شيء حتى يصبح ألمه حقيقياً. أحياناً، قد يبدو لك أنه يملك كل شيء، بينما هو في داخله يخوض معركة لا يراها أحد.











































































