اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١ شباط ٢٠٢٦
د. حمد الكواري:
عقل الدولة ورأي المواطن
ليس بالضرورة أن يتطابق رأي المواطن مع موقف حكومته؛ فثمة ما يُعرف بـ عقل الدولة، وهو الإطار المركّب من المصالح والحسابات الاستراتيجية التي تحكم قرارات الدول وسياساتها. هذا العقل يتشكّل من معطيات معقّدة تشمل موازين القوى الإقليمية والدولية، والمصالح الاقتصادية، والتحالفات السياسية، والضرورات الأمنية، وهي اعتبارات قد لا تكون جميعها متاحة للرأي العام أو قابلة للنقاش المفتوح.
في المقابل، يمتلك المواطن مساحة مشروعة من الحرية تتيح له تكوين رأيه الخاص، انطلاقًا من قناعاته الشخصية، وتجربته الحياتية، ومنظومته القيمية. وهذا التمايز بين الموقف الرسمي ورأي المواطن ليس خللًا في بنية الدولة، ولا خروجًا عن الإجماع، بل هو من طبائع المجتمعات الإنسانية الحيّة.
ويبرز هذا التمايز بصورة أوضح حين تتقاطع سياسات الدولة مع عقيدة المواطن الدينية، أو التزامه القومي، أو منظومة قيمه الاجتماعية. فالإنسان ليس رقمًا، بل كائن واعٍ يحمل هوية ومبادئ تشكّل بوصلته الأخلاقية. وصمته في مثل هذه الحالات لا يعني بالضرورة تخليًا عن القناعة أو تنازلًا عن المبدأ، بل قد يكون صمت الوعي خيارًا عقلانيًا لتجنّب تبعات التعبير في بيئات لا تتّسع للاختلاف.
وفي هذا السياق، لعبت التكنولوجيا دورًا محوريًا في توسيع هامش التعبير، إذ كسرت احتكار المنابر التقليدية، وفتحت الفضاء العام أمام أصوات كانت مهمّشة أو غائبة. وقد أسهمت منصّات التواصل الحديثة في تمكين المواطن من إيصال رأيه، والتفاعل مع الشأن العام، وتشكيل وعي جمعي أكثر تنوّعًا وتأثيرًا، مع ما يحمله ذلك من فرص ومسؤوليات في آنٍ واحد.
أما الدول الواثقة من نفسها، الراسخة في شرعيتها، فلا يضيرها تعدد الآراء، بل تقوى به. فالتعبير عن الرأي ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل دليل نضج وحيوية في المجتمع، خاصة حين تُدار في فضاء رقمي منضبط ومسؤول.
والدولة التي تتسع لأطياف الآراء المختلفة، وتستوعب النقد البنّاء، وتفتح المجال للحوار، إنما تبني أساسًا متينًا من الثقة بينها وبين مواطنيها، وتخلق بيئة صحية تُثري الفكر وتُعمّق الانتماء.
دكتور حمد الكواري
وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء
رئيس مكتبة قطر الوطنية











































































