اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تتجه المواجهة بين جمعية مصارف لبنان ووزارة المالية نحو مزيد من التصعيد على خلفية مطالب ضريبية قد ترتّب على المصارف أعباء تُقدّر بنحو 600 مليون دولار. وفيما تسعى المصارف إلى تجميع السيولة لإعادة الودائع، تحذّر الجمعية من أن الإجراءات المطروحة قد تحوّل جزءاً من الأموال المخصّصة للمودعين إلى الخزينة العامة.
وفي أحدث تحرّكاتها، وجّهت الجمعية كتاباً إلى وزير المالية ياسين جابر، رفضت فيه مطالبة المصارف بتعديل تصاريحها الضريبية عن السنوات 2020 إلى 2024، ولا سيما لجهة فروقات الصرف والقطع وإعادة مؤونات سندات اليوروبوندز إلى الوعاء الضريبي. وطالبت بسحب الطلب وتصحيح المعالجات التي تعتبرها مخالفة للقواعد القانونية والمحاسبية.
وشدّدت الجمعية على أن الأرباح الناشئة حصراً عن إعادة تقييم الحسابات نتيجة تغيّر أسعار الصرف ليست أرباحاً فعلية محققة، بل فروقات دفترية تعكس انهيار قيمة الليرة. وبحسب موقفها، لا يجوز إخضاع هذه الفروقات للضريبة كما لو أنها زيادة حقيقية في الثروة أو في القدرة على الدفع.
أما مؤونات اليوروبوندز، فتؤكد الجمعية أنها تكوّنت لمواجهة خسائر سببها توقف الدولة عن سداد سنداتها عام 2020، وفق الأصول المحاسبية والرقابية وبموافقة لجنة الرقابة على المصارف. وترى أن إعادة احتساب هذه المؤونات ضريبياً قد تعني عملياً فرض ضريبة على خسائر تسبّبت بها الدولة نفسها.
وكانت الجمعية قد اعترضت، في كتاب سابق وجّهته في 20 تشرين الأول 2026، على مراجعة النتائج الضريبية للسنوات 2020 إلى 2025. وربطت الاعتراض بالأزمة الاستثنائية، وتعثّر الدولة في سداد اليوروبوندز، وعدم إعادة مصرف لبنان الودائع بالعملات الأجنبية إلى المصارف، مشيرةً إلى التزامات للأخير تقارب 79 مليار دولار.
واستندت الجمعية إلى المادة 113 من قانون النقد والتسليف لتأكيد مسؤولية الدولة عن خسائر المصرف المركزي وفق تفسيرها القانوني، كما أثارت أحكام المادة 229 والقانون 330/2024 والمادتين 81 و82 من الدستور، معتبرةً أن فرض الضرائب يجب أن يستند إلى القانون لا إلى تفسيرات إدارية متنازع عليها. وطالبت أيضاً بتعليق مهلة 31 تشرين الأول لتعديل التصاريح، لكون مراجعة ست سنوات من العمليات قد تستغرق نحو خمسة أشهر. ولاحقا، أعلمت الوزارة المصارف بتمديد المهلة جتى 15 كاون الاول 2026.
أرباح سعر الصرف
تتجلّى إحدى أبرز الإشكاليات في اختلاف أسعار الصرف المعتمدة لاحتساب الكلفة والإيرادات. فلو اشترى مصرف سنداً بقيمة 100 دولار بسعر 1500 ليرة للدولار، ثم باعه بعد التعثّر مقابل 25 دولاراً بسعر 89,500 ليرة، لكان خسر فعلياً 75 دولاراً. لكن احتساب كلفة الشراء بـ150 ألف ليرة وثمن البيع بمليونين و237 ألفاً و500 ليرة يُظهر ربحاً اسمياً يتجاوز مليوني ليرة، رغم الخسارة الفعلية البالغة 75%.
هذا المثال يختصر جوهر الاعتراض: هل يجوز أن تتحوّل خسارة بالدولار إلى ربح ضريبي بالليرة لمجرّد استخدام سعرين مختلفين؟ وتخشى الجمعية أن تُضاف إلى خسائر تعثّر الدولة أعباء ضريبية على مؤونات وفروقات تقييم، بما يضغط على السيولة المتاحة لتسديد الودائع.
في المقابل، أوضحت وزارة المالية في بيان سابق أنها تستند إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 11/2025، الذي لا يجيز، وفق تفسيرها، تنزيل مؤونات خسائر غير محققة من الوعاء الضريبي. وقالت إن بعض المصارف سجّلت انخفاض قيمة اليوروبوندز كخسارة ضريبية من دون إعادة احتساب التحسّن اللاحق في أسعارها، مؤكدةً أنها تسعى إلى تطبيق معايير متسقة وحماية حقوق الخزينة.
غير أن هذا التوضيح لا يحسم، وفق الاعتراضات المصرفية، مسألة الأرباح الاسمية الناشئة عن انهيار سعر الصرف، ولا يبدّد التساؤلات بشأن المعالجة الضريبية لخسائر مرتبطة بتعثّر الدولة. كما أن عدم إصدار تكاليف نهائية حتى الآن لا يلغي خطر استنزاف سيولة تحتاجها المصارف لإعادة حقوق المودعين.
ورغم ان مثال الخسائر التي منيت بها المصارف جراء انهيار سعر اليوروبوندز، هو الأوضح بالنسبة الى الرأي العام، لكن المشكلة الحقيقية أشد تعقيدا من ذلك، لأن الوزارة تطالب بفرض ضرائب على كل العمليات التي تمت بين 2020 و2024 ، وتريد ان تتم العمليات المحاسبية وفق سعر الدولار الحالي، في حين ان المصارف سبق وسددت الضرائب، وفق جدول اسعار الصرف في حينه. ولاحقاً، وافقت المالية على هذه النسب، وجاء القانون 330 ليضع حدا نهائيا لفوضى احتساب الارباح، واقفال الملف حتى العام 2024. لكن وزارة المالية، تطالب اليوم بتجاوز مفاعيل هذا القانون، والعودة الى احتساب الضرائب وفق سعر الصرف الحالي، وهو تدبير لا يجوز قانوناً، ولا يستقيم وفق أي منطق مالي واقتصادي.
ولا تنكر المصارف حق الدولة في جباية الضرائب المستحقة قانوناً، لكن الخلاف يدور حول تعريف الربح الخاضع للضريبة، ومدى جواز التعامل مع خسائر اقتصادية وفروقات دفترية بوصفها مكاسب فعلية. ويزداد التناقض حدّة حين تُطالب المصارف بالمساهمة في ردّ الودائع، فيما قد تُقتطع من مواردها مبالغ كبيرة قبل تخصيصها لهذه الغاية.
في المحصلة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تصبح الخزينة مستفيدة من خسائر نتجت عن تعثّر الدولة، على حساب سيولة يُفترض أن تعود إلى المودعين؟ إن معالجة هذا الملف تستوجب تمييزاً واضحاً بين الأرباح المحققة والفروقات المحاسبية، وحسماً قانونياً يراعي حقوق الخزينة من دون تحميل المودعين كلفة إضافية للأزمة.











































































