اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٤ تموز ٢٠٢٦
حوار / شهاب
حين أنهى الدكتور محمد الرنتيسي خدمته الرسمية في وزارة الصحة نهاية أبريل/نيسان عام 2018، كان كثيرون يعتقدون أن رحلة الطبيب الذي أفنى عمره بين غرف العمليات قد انتهت، وأن سنوات العمل الطويلة ستفسح المجال لحياة أكثر هدوءًا بعد التقاعد.
لكن الرجل الذي أمضى عقودًا في علاج إصابات الأعصاب الطرفية وجراحة اليد، لم ينظر إلى الطب يومًا باعتباره وظيفة تنتهي بقرار إداري، بل رسالة تمتد ما دام قادرًا على الوقوف أمام مريض يحتاج إلى المساعدة.
اليوم، وبعد أن تجاوز الثامنة والستين من عمره، لا يزال الرنتيسي يبدأ يومه منذ ساعات الصباح الأولى، متنقلًا بين المستشفيات وغرف العمليات، يجري جراحات معقدة للمصابين الذين خلّفتهم الحرب، وكأن سنوات العمر الطويلة لم تنتزع منه شيئًا من شغفه الأول.
الوحيد في قطاع غزة
يقول الرنتيسي في حوار خاص لـ'شهاب': 'تقاعدت من وزارة الصحة منذ عام 2018، لكن الحقيقة أنني لم أتقاعد عن الطب يومًا واحدًا.'
ويضيف أن سنوات عمله الطويلة جعلته الطبيب الوحيد في غزة المتخصص في جراحة الأعصاب الطرفية وجراحة اليد وجراحة العظام والكسور المعقدة، وهو تخصص دقيق ظل يغطي، من خلاله، احتياجات المرضى مع بعض من عمل معه وتحت إشرافه بمستشفي ناصر والشفاء من أطباء غزة.
ويستعيد تلك السنوات قائلًا إن السنوات الخمس الأخيرة قبل تقاعده مرّت دون أن يحصل على يوم إجازة واحد، وظل يعمل حتى آخر يوم في خدمته الرسمية ، ويتذكر جيدًا آخر مشهد قبل مغادرته وزارة الصحة كان عملية جراحية لمريض يعاني من قطع في العصب الكعبري.'
منوهًا: 'أنا لم أغادرغرفة العمليات أصلًا، تقاعدت من الوظيفة، لكنني لم أتقاعد عن رسالتي كطبيب، وما زلت أواصل هذا العمل حتى هذه اللحظة.'
مع انطلاق مسيرات العودة أواخر عام 2018، وما رافقها من آلاف الإصابات الناتجة عن الرصاص الحي، وجد الرنتيسي نفسه أمام موجة غير مسبوقة من إصابات الأعصاب والأطراف، وهي الإصابات التي تقع في صميم تخصصه.
يقول إنه تعاون مع عدد من اللجان والجمعيات المحلية، وتمكن، خلال نحو عشرة أشهر فقط، من إجراء 330 عملية جراحية للمصابين، مؤكدًا أن جميع هذه العمليات قُدمت مجانًا، في محاولة لتخفيف العبء عن الجرحى الذين لم تكن لديهم القدرة على تحمل تكاليف العلاج.
وعندما اندلعت الحرب الأخيرة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان الرنتيسي يقيم مع أسرته في مدينة غزة، شمال القطاع.
وبعد خمسة أيام فقط من بدء الحرب، اضطر مع عائلته إلى النزوح جنوبًا، شأنه شأن مئات آلاف الفلسطينيين الذين غادروا منازلهم تحت القصف. ورغم رحلة النزوح القاسية، لم يكن أول ما فكر فيه هو البحث عن مأوى، بل البحث عن غرفة عمليات يعود إليها.
ويتذكر أنه توجّه مباشرة إلى مستشفى ناصر في خان يونس، وعرض على وزارة الصحة التطوع لإجراء جراحات الأعصاب الطرفية.
لكن الإجابة كانت واضحة. في تلك الأيام، كانت المستشفيات تغرق بعشرات الإصابات الحرجة كل ساعة، وكانت الأولوية المطلقة لعمليات إنقاذ الحياة، فيما لم يكن بالإمكان تخصيص غرفة عمليات لجراحات الأعصاب الدقيقة.
ويتابع: عندما نزحت العائلة مرة أخرى إلى رفح، أعدت المحاولة داخل المستشفى الأوروبي، غير أن الواقع بقي كما هو، فالضغط الهائل على المنظومة الصحية جعل كل الإمكانات موجهة لاستقبال الجرحى في حالات الخطر المباشر. ومع مرور الأسابيع، بدأت آثار التأخير تظهر على المصابين بإصابات الأعصاب الطرفية.
دون ثمن
يقول إن تراكم الإصابات المعقدة جعله يشعر بأن عليه أن يتحرك بنفسه، ولذلك اتخذ قرارًا لم يكن مألوفًا حتى في ظروف الحرب، وافتتح عيادة داخل خيمة في مسجد الأنصار بمدينة رفح، وأعلن استعداده لاستقبال جميع المصابين مجانًا. ولم تكن هناك تجهيزات متكاملة، ولا إمكانات كبيرة، لكن كانت هناك إرادة للاستمرار.
ومن داخل تلك الخيمة بدأ يفحص المرضى، ويحدد الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، قبل أن يتوصل إلى اتفاق مع مستشفى يافا في دير البلح لإجراء العمليات هناك.
ويؤكد أن جميع تلك العمليات كانت مجانية، واعتمدت على مبادرات أهلية وخيرية تكفلت بتغطية تكاليفها، حتى لا يُحرم أي مصاب من العلاج بسبب عجزه المادي.
ولا يخفي الرنتيسي أن سنوات الحرب الثلاث هي أقسى ما مرّ عليه إنسانيًا، فهو، مثل آلاف الأطباء في غزة، عاش تجربة النزوح، وأقام مع أسرته في الخيام، وعمل من أماكن مؤقتة وبإمكانات محدودة، بينما كانت الحرب تحاصر الجميع. وخلال تلك الفترة، تلقى عرضًا بمغادرة قطاع غزة مع زوجته وعائلته إلى مصر، خاصة أن إحدى بناته تقيم هناك.
ويقول إن خبرته الطبية كانت بالنسبة إليه أمانة لا يجوز أن يغادر بها: 'آثرت البقاء مع زوجتي في غزة لخدمة أبناء شعبنا فواجبي المهني والإنساني يقتضي أن أبقى إلى جانب الجرحى والمصابين ما دمت قادرًا على تقديم المساعدة.'
ويضيف أن ما منحه القدرة على الاستمرار طوال هذه الأشهر منظومة كاملة من القناعات والإيمان والانضباط الشخصي، فعلى الرغم من بلوغه الثامنة والستين، لا يزال يحرص يوميًا على قراءة القرآن الكريم، وإعداد دروس في السيرة النبوية، وممارسة الرياضة بعد صلاة العشاء مما جعله يشعر بأنه ما زال قادرًا على الوقوف ساعات طويلة داخل غرفة العمليات دون أن يفقد شغفه أو رغبته في العطاء.
فرصة لالتقاط الأنفاس
على امتداد أكثر من أربعة عقود قضاها بين أروقة المستشفيات وغرف العمليات، لم يكن الدكتور محمد الرنتيسي غريبًا عن الحروب فمنذ بدايات عمله الطبي، عايش الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ثم عمل خلال الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على القطاع أعوام 2008 و2012 و2014، واستقبل خلالها آلاف المصابين، وأجرى مئات العمليات الجراحية. لكن، وبرغم كل تلك الخبرة، يقول إن ما يشهده القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا يشبه شيئًا عرفه من قبل.
فالحرب الحالية، كما يصفها، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل حدث غيّر طبيعة الإصابات، وحجمها، وتعقيدها، وحتى قدرة المنظومة الصحية على التعامل معها.
ويضيف أن الحروب السابقة كانت، رغم شدتها، تأتي على فترات، فتشتد أيامًا ثم تنخفض وتيرتها نسبيًا، وهو ما كان يمنح المستشفيات فرصة لالتقاط الأنفاس واستيعاب الأعداد الكبيرة من الجرحى.
أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا: 'هذه الحرب مختلفة تمامًا في حجمها وطبيعتها، فهي حرب شديدة الامتداد والتدمير، وخلّفت عددًا هائلًا من المصابين يُقدَّر بمئات الآلاف، إضافة إلى دمار واسع في البنية الصحية، واستهداف مباشر للمستشفيات، واستشهاد عدد كبير من الكوادر الطبية، واعتقال آخرين.'
ويرى أن هذا المشهد فرض على الأطباء واقعًا غير مسبوق، حيث أصبح عليهم مواصلة العمل داخل منظومة صحية تعرضت هي نفسها للاستهداف، في وقت تتدفق فيه أعداد هائلة من الجرحى يوميًا.
ورغم كل ذلك، يقول إن القطاع الصحي ما زال يحاول الوقوف: 'رغم كل هذه الظروف القاسية، ما زال القطاع الصحي في غزة واقفًا على قدميه، ويقدم الحد الأدنى من الخدمات الطبية الممكنة، بفضل الله ثم بجهود الطواقم الطبية المتبقية.'
أذيات معقدة
ويؤكد أن هذا الواقع جعله يشعر بمسؤولية أكبر تجاه تخصصه النادر: 'شعرت أن واجبي المهني والإنساني يفرض عليّ الاستمرار في العمل، خصوصًا في مجال جراحة الأعصاب الطرفية والكسور المعقدة، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وظائف الأطراف، ومنع الإعاقات الدائمة قدر الإمكان.'
وبحكم تخصصه الدقيق، لم يكن الرنتيسي يتعامل مع كل الجرحى، بل مع الحالات الأكثر تعقيدًا، وتحديدًا تلك التي أصابت الأعصاب الطرفية والعظام والأطراف.
ويقول إن هناك أوجهًا من التشابه بين الإصابات التي شاهدها في الحروب السابقة وما يراه اليوم، إلا أن الاختلاف الحقيقي يكمن في حجم الإصابات وشدة تعقيدها.
يقول: 'استقبلنا حالات خرجت من تحت الأنقاض دون جروح واضحة، لكنها كانت تعاني من كسور وإصابات داخلية عميقة أدت إلى أذيات معقدة في شبكات الأعصاب، خصوصًا في الأطراف العلوية.'
كما لاحظ ارتفاعًا كبيرًا في إصابات الرقبة وأعلى الصدر، وهي إصابات تؤدي إلى تلف الضفيرة العصبية التي تغذي الذراع بالكامل.
ويشرح قائلًا إن إصابة هذه المنطقة قد تنتهي بشلل جزئي أو كامل للطرف العلوي، وهو ما يجعل علاجها بالغ التعقيد، ويحتاج إلى تدخل جراحي دقيق في أسرع وقت ممكن.
ورغم مرور مئات الحالات أمامه، ما تزال بعض الوجوه ترفض مغادرة ذاكرته. ويتوقف طويلًا عند قصة فتاة انتُشلت من تحت أنقاض منزلها بعد استشهاد والديها، وهي من ذوي الإعاقة السمعية واللفظية، ولم يكن فقدان الأسرة هو المأساة الوحيدة التي خرجت بها من تحت الركام، فقد أصيبت إصابة معقدة في الأعصاب على مستوى الرقبة، أدت إلى شلل كامل في يدها اليسرى.
يقول إن مثل هذه الحالات لا تختبر مهارة الجراح فقط، بل تضعه أمام مآسٍ إنسانية يصعب وصفها، منوهًا أن الحالة الأكثر حضورًا في ذاكرته كانت لطفل لم يتجاوز الخامسة من عمره، استشهد والداه وإخوته وعدد من أفراد أسرته، بينما خرج هو من بين الأنقاض مصابًا بكسر حول الركبة اليمنى، ترافق مع قطع كامل في الأعصاب الموجودة خلف الركبة.
بعد تثبيت الكسر وانتظار التئامه، بدأ الرنتيسي مرحلة أكثر دقة، فأجرى للطفل عملية جراحية لإصلاح الأعصاب المقطوعة وإعادة توصيلها، في محاولة للحفاظ على وظيفة ساقه.
ويقول: 'هذه الحالات لا تمثل تحديًا جراحيًا فحسب، بل تحمل أبعادًا إنسانية مؤلمة، لأنها تذكرنا بأننا لا نعالج كسرًا أو عصبًا فقط، بل نحاول أن نحافظ على مستقبل إنسان فقد، في لحظات، كل شيء تقريبًا.'
ومن أكثر ما أثار دهشته خلال الأشهر الماضية، كما يقول، حجم الإصابات التي فقد فيها المصابون أجزاء كاملة من عظامهم نتيجة شدة الانفجارات، فقد تعامل مع مرضى فقدوا أجزاء كبيرة من عظام الساق، وهي إصابات تحتاج إلى عمليات ترميم معقدة وزراعة عظمية دقيقة.
قليل الجدوى
ويشير إلى أنهم تمكنوا، رغم محدودية الإمكانات، من إجراء عدد من هذه العمليات بنجاح. ومن بين الحالات التي يذكرها فتاة فقدت نحو 12 سنتيمترًا من عظمة الساق، احتاجت إلى عملية ترميم عظمية معقدة، قبل أن تبدأ لاحقًا باستعادة قدرتها على المشي، وهي اليوم، بحسب قوله، في مراحل متقدمة من التعافي.
ويؤكد أن هذه الإصابات أصبحت مشهدًا متكررًا خلال الحرب، وأن التعامل معها يحتاج إلى تخصصات دقيقة، وإلى وقت طويل من العلاج وإعادة التأهيل، وهو ما يجعل كل يوم تأخير عاملًا إضافيًا يهدد مستقبل المصاب.
ويقول إن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط كثرة الجرحى، بل التحول الكبير في طبيعة الإصابات العصبية، وارتفاع نسب الإصابات المركبة التي تجمع بين الكسور، وتمزق الأعصاب، وفقدان أجزاء من العظام، وهي إصابات لم يسبق أن شاهدها بهذا الحجم في أي حرب سابقة.
ولم يكن التحدي الأكبر الذي واجهه الدكتور محمد الرنتيسي خلال الحرب هو كثرة الإصابات فحسب، بل سباق الزمن الذي تفرضه جراحة الأعصاب الطرفية. ففي هذا التخصص، لا يعني تأخر العملية الجراحية مزيدًا من الألم فقط، بل قد يعني ضياع فرصة استعادة الحركة إلى الأبد.
فبينما كانت أقسام الطوارئ تنشغل بإنقاذ المصابين المهددين بالموت، كانت عشرات الإصابات العصبية تدخل مرحلة العدّ التنازلي، لأن كل يوم يمر دون تدخل جراحي يقلل من فرص عودة الأعصاب إلى أداء وظيفتها الطبيعية.
ويوضح الرنتيسي أن نجاح جراحة الأعصاب الطرفية يرتبط، قبل أي شيء، بعامل الوقت، ويقول إن التدخل المبكر بعد الإصابة يمنح المريض فرصة كبيرة لاستعادة وظيفة العصب، وقد تكون النتائج ممتازة في كثير من الحالات، لكن هذه الفرصة تبدأ بالتراجع تدريجيًا كلما تأخر التدخل ساعات أو أيامًا أو أسابيع.
ويشرح أن البنية الداخلية للعصب تبدأ بالتغير تدريجيًا، إذ تنسد القنوات العصبية، وتفقد الألياف قدرتها على إعادة الاتصال بصورة طبيعية، ما يجعل إصلاح العصب نفسه قليل الجدوى من الناحية الوظيفية.
ولهذا، يضطر الجراح، في كثير من الحالات المتأخرة، إلى اللجوء إلى عمليات تعويضية، مثل نقل الأوتار أو تثبيت بعض المفاصل، بهدف استعادة جزء من وظيفة الطرف، كما يحدث في حالات سقوط القدم أو اليد، بدلًا من إصلاح العصب الذي لم يعد قادرًا على استعادة وظيفته.
ويؤكد أن هذه الحقيقة العلمية جعلت عامل الوقت واحدًا من أخطر التحديات التي فرضتها الحرب، فكثير من الجرحى لم يتمكنوا من الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب بسبب استمرار القصف، أو تعذر الحركة، أو انهيار المنظومة الصحية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على نتائج العلاج.
ورغم هذه التحديات، لم يتوقف الرنتيسي عن العمل، فقد أجرى خلال الحرب ما يقارب 450 عملية جراحية معقدة في مجال جراحة الأعصاب الطرفية وترميم العظام، وهو رقم يعكس حجم الحاجة الطبية غير المسبوقة لهذا النوع من التخصصات داخل قطاع غزة.
ويشير إلى أن كثيرًا من المرضى كان يمكن أن يحققوا نتائج أفضل لو توفرت إمكانية التدخل المبكر والإمكانات الجراحية الكاملة، ويضرب مثالًا بحالات أطفال أصيبوا بقطع شديد في الأعصاب خلف الركبة، من بينهم الطفل بلال، وطفل آخر يدعى رمضان، حيث خضعا لجراحات دقيقة لإصلاح الأعصاب ومحاولة استعادة الوظيفة العصبية للطرف المصاب أو تقليل الإعاقة إلى أدنى حد ممكن، مهما كانت الإمكانات محدودة.
واقعًا غير مسبوق
ولم تقتصر الصعوبات على كثرة الإصابات أو تعقيدها، بل امتدت إلى أبسط المستلزمات داخل غرفة العمليات، فالحرب، كما يقول، فرضت واقعًا غير مسبوق في التعامل مع الأدوات الطبية.
ويعمل الرنتيسي حاليًا في أكثر من موقع طبي، من بينها مستشفى الخدمة العامة ومستشفى أصدقاء المريض، اللذان لا تتوافر فيه الإمكانات الكاملة لإجراء جراحات العظام ، ويكشف أن الطواقم الطبية اضطرت، في كثير من الأحيان، إلى إعادة استخدام بعض الأدوات الجراحية أكثر من مرة، بسبب النقص الحاد في المستلزمات.
ويقول إن بعض المثبتات الخارجية، والصفائح المعدنية، والبراغي التي تستخدم لتثبيت الكسور، كانت تُفك بعد انتهاء علاج أحد المرضى، ثم تُنظف وتُعقم بعناية، قبل أن يعاد استخدامها لمريض آخر، ويؤكد أن هذا الإجراء لم يكن خيارًا مثاليًا، بل فرضته الضرورة في ظل شح الموارد الطبية.
أما على مستوى الأدوية، فيوضح أن الجراحات التي يجريها تعتمد غالبًا على المسكنات الأساسية والمضادات الحيوية عند الحاجة، وفق البروتوكولات الطبية المعتمدة، مع الحرص على عدم استخدام الأدوية القوية إلا عند الضرورة القصوى، وتحت إشراف مختص.
ورغم الضغط الهائل، يؤكد الرنتيسي أنه لم يكن يقبل إجراء أي عملية جراحية إذا لم تتوفر متطلبات السلامة الأساسية.
ويقول إن الجراحة لا يمكن أن تبدأ دون وجود أدواتها الضرورية، كما لا يستطيع طبيب التخدير الشروع في عمله إذا لم تكن الأدوية والمستلزمات الأساسية متوافرة، لذلك، كان يحرص على التأكد من وجود الحد الأدنى اللازم لإجراء العملية بصورة آمنة، مهما بلغت الحاجة إليها.
ويتابع ان الحرب لم تكتفِ بإصابة أجساد المرضى، بل أثرت أيضًا في قدرتها على التعافي. فأشهر المجاعة وسوء التغذية تركت آثارًا واضحة على نتائج العمليات الجراحية ، فالجروح والعمليات الكبيرة تحتاج إلى تغذية جيدة غنية بالبروتينات والفيتامينات حتى تلتئم بصورة طبيعية، غير أن هذا الشرط الأساسي أصبح غائبًا لدى أعداد كبيرة من المرضى.
ويشير إلى أن نقص الغذاء أدى إلى ضعف واضح في المناعة، وارتفاع معدلات التهابات الجروح، وتأخر التئامها مقارنة بما كان يشاهده في الظروف الطبيعية ، ف كثيرًا من المرضى لم يعودوا قادرين على توفير أبسط مصادر البروتين اللازمة لعملية التعافي، بسبب التجويع والحصار، مما وضع الجميع في تحدٍّ إضافي قلل من الوصول إلى النتائج المرجوة.
ويستدرررك أن انقطاع الطرق وصعوبة التنقل بين شمال قطاع غزة وجنوبه أدى إلى تأخر المرضى في الوصول إلى المراكز الطبية، أو إلى انقطاعهم عن جلسات المتابعة وإعادة التأهيل، وهو ما أثر بصورة مباشرة على نتائج العلاج ، مشدداً على أن نجاح الجراحة لا يعتمد على العملية وحدها، بل على استمرارية الرعاية الطبية، والمتابعة، والعلاج الطبيعي، وهي حلقات أصبحت مهددة باستمرار في ظل واقع الحرب.
وسط هذا الواقع الطبي المنهك، لا يرى الدكتور محمد الرنتيسي نفسه بطلًا، ولا يتحدث عن تضحيات شخصية بقدر ما يتحدث عن واجب مهني وإنساني فرضته عليه سنوات طويلة قضاها في خدمة المرضى.
فالرجل الذي أفنى عمره في جراحة الأعصاب الطرفية وجد نفسه خلال الحرب أمام منظومة صحية مثقلة بالإصابات، ونقص الكوادر، واستهداف المستشفيات، فأدرك أن خبرته النادرة لم تعد ملكًا له، بل أصبحت حاجة يومية لآلاف المصابين الذين ينتظرون فرصة لاستعادة الحركة أو تجنب إعاقة دائمة، موضحًا أن ما يراه يوميًا داخل غرف العمليات والعيادات يكشف حجم العبء الذي تتحمله المستشفيات والطواقم الطبية.
ويضيف أن أعداد الإصابات الكبيرة، إلى جانب نقص الإمكانات والكوادر المتخصصة، خصوصًا في المجالات الدقيقة مثل جراحة الأعصاب الطرفية، فرضت واقعًا غير مسبوق متمثل في الإبادة البيولوجية و استهداف مقومات بقاء الإنسان وصحته الجسدية وقدرته على التكاثر والتعافي، من خلال تدمير الرعاية الصحية، ومنع العلاج والغذاء والدواء، بما يؤدي إلى الوفاة أو الإعاقات والأمراض طويلة الأمد على نطاق واسع.
تحديات مالية
ويؤكد أن أكثر ما يلمسه ميدانيًا هو أن الطواقم الطبية، رغم الإنهاك والخسائر التي لحقت بها، ما زالت تحاول تقديم أكبر قدر ممكن من الرعاية بما يتوفر لديها من إمكانات. ولا يقتصر التحدي، بحسب الرنتيسي، على إجراء العملية الجراحية نفسها، بل يمتد إلى ما بعدها.
ويضيف أن نجاح الجراحة لا يعتمد على مهارة الجراح وحدها، بل على استمرار الرعاية الطبية بعد العملية، وهو أمر أصبح بالغ الصعوبة في ظل الظروف الحالية. ورغم ذلك، يؤكد أنه لم يجعل العامل المادي يومًا عائقًا أمام علاج المرضى.
ويضيف أن بعض العمليات كانت تواجه تحديات مالية تتعلق بتوفير الأدوات أو المستلزمات، لكن ذلك لم يمنعه من البحث عن حلول، شريطة ألا يُقدم على أي تدخل جراحي قبل التأكد من توفر الحد الأدنى من مقومات السلامة اللازمة لإجرائه.
أكثر حروب غزة دموية
يرى الرنتيسي أن القطاع الصحي في غزة يحتاج بصورة ملحة إلى دعم أكبر، خاصة في مجالات الجراحة الدقيقة، وإعادة التأهيل، وتوفير الأجهزة والمستلزمات الطبية.
ويضيف أن دعم هذا القطاع لا ينعكس على الأطباء وحدهم، بل على آلاف المرضى الذين يمكن إنقاذ أطرافهم أو تقليل إعاقاتهم إذا توفرت الإمكانات المناسبة.
ويشدد على أن الأطباء في غزة سيواصلون أداء واجبهم مهما بلغت الصعوبات، لكنهم لا يستطيعون وحدهم سد الفجوة التي خلفها الدمار الهائل الذي أصاب المنظومة الصحية.
وفي ختام شهادته، يعود الدكتور محمد الرنتيسي إلى الفكرة التي رافقته منذ بداية حديثه، فالطب، بالنسبة إليه، لم يكن يومًا وظيفة تبدأ بقرار تعيين وتنتهي بقرار تقاعد.
ولهذا، عندما أتيحت له فرصة مغادرة قطاع غزة خلال الحرب، لم يتردد في اتخاذ قرار بالبقاء فعشرات السنين التي أمضاها في اكتساب هذا التخصص النادر تجعل وجوده إلى جانب الجرحى واجبًا لا يمكن التخلي عنه.
ويقول بهدوء يختصر مسيرته الطويلة: 'لقد تقاعدت من الوظيفة، لكنني لم أتقاعد عن رسالتي كطبيب'. وربما تلخص هذه العبارة حكاية جراح أمضى عمره بين الأعصاب المقطوعة والعظام المكسورة، ثم وجد نفسه، في أكثر حروب غزة دموية، يحاول بالمشرط والخبرة والإيمان أن ينقذ ما تبقى من أجساد أنهكتها الحرب، وأن يمنح أصحابها فرصة أخرى للحركة، وللحياة، في وقت كانت فيه الحياة نفسها تُنتزع من حولهم كل يوم.

























































