اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين تبحث الدولة عن أدوات لزيادة الاستثمار وتوفير فرص العمل، ينبغي أن تتقدم سوق الأسهم إلى صدارة النقاش الاقتصادي؛ فهي قناة لتجميع المدخرات، وتوسيع ملكية المؤسسات المنتجة، وتمويل توسع الشركات، وتحسين حوكمتها،،، ومن هنا، يستحق تحفيز بورصة عمّان أن يُطرح باعتباره مشروعاً لتعزيز القدرة التمويلية للاقتصاد الأردني، تتكامل فيه السياسة الاقتصادية مع التنظيم المالي ومبادرات القطاع الخاص.
غير أن تحديد الغاية يسبق اختيار الأدوات،،، فارتفاع الأسعار وأحجام التداول مؤشرات تستحق المتابعة، لكنها لا تكفي للحكم على نجاح السوق في أداء وظيفتها الاقتصادية،،، ولعل الاختبار الأعمق هو قدرتها على استقطاب شركات جديدة، وتمويل استثمارات إضافية، وتوفير فرص استثمار متنوعة، وتمكين المستثمر من الدخول والخروج بكلفة معقولة وشفافية موثوقة،،، فالبورصة تنجح اقتصادياً حين تتحول مدخرات المجتمع عبرها إلى طاقة إنتاجية وفرص عمل.
قراءة تتجاوز حركة المؤشر
تُظهر النشرة الإحصائية لبورصة عمّان لشهر أيلول 2026 أن القيمة السوقية بلغت نحو 30.3 مليار دينار، وأن ثلاث شركات استحوذت مجتمعة على قرابة 56% منها،،، وهذه الأرقام تعكس الوزن الكبير لمؤسسات وطنية راسخة، لكنها تستدعي أيضاً قراءة درجة تركز السوق، ومدى تمثيلها لتنوع الأنشطة الاقتصادية وفرص النمو الجديدة.
فالتركيز ليس دليلاً بذاته على ضعف السوق، لكنه يجعل قراءة المؤشر العام بحاجة إلى مؤشرات مكملة،،، كم شركة تتمتع بتداول منتظم؟ وما حجم الأسهم المتاحة فعلياً للجمهور؟ وكم شركة استطاعت جمع أموال جديدة لتوسيع أعمالها؟ وهل يجد المستثمر فرصاً كافية خارج الشركات الكبرى والقطاعات التقليدية؟
ولا تقتصر إشكالية سوق رأس المال على جانب الطلب الاستثماري؛ بل تمتد إلى جانب العرض، حيث تتداخل اعتبارات احتفاظ الشركات العائلية بالسيطرة، وكلفة الإدراج والامتثال، ومتطلبات الإفصاح، ومدى جاذبية التقييمات السوقية. ولذلك فإن توسيع السوق يستلزم معالجة قرار الشركة باللجوء إلى التمويل العام، بالتوازي مع تطوير بيئة المستثمرين.
كذلك ينبغي الفصل بين تداول الأسهم القائمة وتمويل الشركات،،، فعندما يشتري مستثمر أسهماً من مستثمر آخر، تنتقل الملكية بينهما؛ أما تمويل الشركة فيتحقق عبر إصدار أسهم جديدة أو أدوات تمويل مناسبة،،، وتكمن أهمية السوق الثانوية في توفير السيولة والتسعير وإمكانية التخارج، بما يدعم جاذبية الاكتتابات وقدرة الشركات على جمع رأس المال،،، فارتفاع القيمة السوقية لا يساوي تلقائياً ارتفاع التمويل المتاح للشركات.
والأردن لا يبدأ من فراغ،،، فقد أعلنت هيئة الأوراق المالية خلال عام 2026 توجهات لتطوير سوق رأس المال وتعزيز تنافسيته، في إطار أولويات رؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029، الأمر الذي يستدعي ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج قابلة للقياس في التمويل والإدراج والسيولة وحماية المستثمر،،، بحيث يستطيع صانع القرار تقييم الأثر الاقتصادي للتطوير.
الثقة والسيولة وجودة الشركات
يحتاج تنشيط السوق إلى معالجة مترابطة لثلاثة عناصر،،، شركات تستحق الاستثمار، ومستثمرين قادرين على تقييمها، وآليات تداول تسمح بتبادل الملكية بكفاءة،،، فالسيولة المستدامة تتطلب وضوح المعلومات، وجودة الأرباح، واحترام حقوق المساهمين، وقابلية مساءلة مجالس الإدارة عن قراراتها وتخصيصها لرأس المال.
وفي المقابل،،، فإن أي دعوة إلى توجيه الأموال المؤسسية نحو الأسهم يجب أن تحترم استقلال القرار الاستثماري،،، فلا يصح تحميل أموال التقاعد أو التأمين مسؤولية رفع الأسعار، أو دفعها إلى استثمارات لا تتوافق مع التزاماتها ومخاطرها المقبولة،،، فدور هذه المؤسسات أن تستثمر وفق العائد المتوقع والتنويع والحوكمة، ضمن سياسة معلنة ومساءلة مهنية.
وتستحق كلفة الاستثمار مراجعة شاملة تشمل الرسوم والعمولات والإجراءات والوقت اللازم لإنجاز المعاملات،،، لكن خفض الكلفة وحده لن يعالج ضعف جاذبية شركة تفتقر إلى الإفصاح أو وضوح الاستراتيجية،،، كما أن الحوافز المالية ينبغي أن تكون محددة المدة، محسوبة الكلفة، ومرتبطة بنتائج يمكن التحقق منها،،، فالثقة أصل السوق الأثمن؛ وكل تساهل في حماية المستثمر يرفع كلفة رأس المال على الشركات الجادة.
ولا تبدأ عملية التطوير من نقطة الصفر؛ فقد اتُّخذت إجراءات تنظيمية وضريبية لتحفيز التداول وصناديق الاستثمار،،، والتحدي اليوم هو تقييم أثر هذه الإصلاحات على تدفق رأس المال، ونشاط الحسابات الاستثمارية، وقدرة الشركات على جمع تمويل جديد، ثم معالجة الفجوات التي تكشفها النتائج.
أولاً: برنامج وطني لإدراج شركات النمو.
أقترح إطلاق برنامج لمدة عامين، تقوده مؤسسات سوق رأس المال بالتعاون مع وزارة الاستثمار ودائرة مراقبة الشركات وممثلي القطاع الخاص، لتأهيل مجموعة منتقاة من الشركات العائلية والمتوسطة والشركات ذات الخطط التوسعية الواضحة.
ويبدأ البرنامج بتقييم جاهزية الشركات قانونياً ومالياً وحوكمياً، ثم مساعدتها على معالجة فجوات التقارير والرقابة الداخلية وهيكلة الملكية وعلاقات المستثمرين،،، ويمكن تقديم مساهمة محدودة في تكاليف التأهيل، وفق معايير معلنة وسقف مالي، مع استرداد الدعم عند الإخلال بشروطه.
ويُقترح استهداف تأهيل عشر شركات خلال السنة الأولى بوصفه هدفاً تنفيذياً أولياً، على أن يخضع الطرح والإدراج لاستيفاء المتطلبات وظروف السوق،،، والأولوية للاكتتابات التي تتضمن تمويلاً جديداً للتوسع، مع الإفصاح عن استخدام المتحصلات ومتابعتها، لا الاكتفاء ببيع حصص قائمة.
وتُقاس النتيجة بحجم رأس المال الجديد والاستثمارات المنفذة وجودة الشركات المدرجة، مع مراعاة ألا تصبح سرعة الإنجاز سبباً لتخفيف معايير الأهلية،،، فالشركة غير الجاهزة قد تضر بثقة المستثمرين وبسمعة البرنامج نفسه،،، وأفضل حافز للإدراج هو أن تجد الشركة في السوق تمويلاً عادلاً، وحوكمة نافعة، وشراكة تحترم مؤسسيها ومساهميها.
ثانياً: توسيع الاستثمار المؤسسي والسيولة المنضبطة.
أقترح مساراً تنفيذياً تقوده هيئة الأوراق المالية وبورصة عمّان، بالشراكة مع مديري الاستثمار والوسطاء، لتحديد العوائق أمام تأسيس وتوسيع صناديق الأسهم المتنوعة، وتقييم متطلبات تطوير صناديق مؤشرات متداولة، وصناديق متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وفق الأطر النافذة وما يلزم من تحديثات.
وتتيح هذه الأدوات، متى توافرت جدواها، مشاركة أوسع للمدخرين والمغتربين، مع إدارة مهنية وإفصاح واضح عن الرسوم والمخاطر،،، ويجب أن يصاحبها تقييم لترتيبات توفير السيولة وصناعة السوق، وضوابط تعارض المصالح والرقابة على التداول، بعيداً عن أي التزام باستهداف سعر معين.
كما ينبغي تحسين رحلة المستثمر رقمياً، من فتح الحساب والتحقق من الهوية إلى الحصول على المعلومات وتنفيذ المعاملة، ضمن المتطلبات القانونية،،، وتُنشر مؤشرات فصلية عن الحسابات النشطة، وصافي التدفقات إلى الصناديق، وانتظام التداول، وفروق أسعار البيع والشراء، لقياس التحسن الفعلي في سهولة الاستثمار.
ثالثاً: إطار مؤسسي لمساءلة أداء سوق رأس المال لحماية المستثمر وتمويل الاقتصاد.
أقترح اعتماد إطار مؤسسي لمساءلة أداء سوق رأس المال معلن لمدة اثني عشر شهراً، ضمن الصلاحيات القانونية للجهات المعنية، يحدد مسؤولية كل جهة وجدول إنجازها ومؤشرات نجاحها،،، وتتابع الحكومة إزالة العوائق المشتركة، مع الحفاظ على استقلال الجهة الرقابية.
ويشمل العقد رفع جودة الإفصاح وتوقيته، وتعزيز شفافية تعاملات الأطراف ذات العلاقة، وتيسير وصول المساهمين إلى المعلومات، ونشر بيانات مجمعة عن معالجة الشكاوى والمخالفات، مع احترام سرية التحقيقات وضمانات التقاضي،،، كما يتضمن مراجعة الإجراءات والرسوم التي تثبت البيانات أنها تعوق الاستثمار دون منفعة رقابية متناسبة.
ويُعرض تقرير فصلي موجز يوضح حجم التمويل الجديد، والإدراجات، ومستويات السيولة، والالتزام بالإفصاح، وما تعثر وأسباب تعثره،،، وبذلك تصبح المساءلة مرتبطة بنتائج قابلة للقياس، ويصبح التنسيق بين المؤسسات أداة لحل المشكلات ضمن اختصاص كل منها،،، وبهذا تكون مسؤولية الدولة أن ترفع كفاءة السوق وعدالتها، وتترك تسعير المخاطر لقرارات استثمارية واعية.
إن تحفيز سوق الأسهم الأردنية يستحق قراراً اقتصادياً متكاملاً يربط الادخار بالاستثمار، والحوكمة بالثقة، والإدراج بالنمو،،، وعندما تجد الشركات الجادة طريقاً واضحاً إلى رأس المال، ويجد المستثمر حماية ومعلومات وفرصاً متنوعة، تستطيع بورصة عمّان أن تؤدي دوراً أوسع في تحديث الاقتصاد، وتوسيع ملكية نجاحاته، وتمويل مستقبله.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي

























































