اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
تحولًا مهمًا
وجاء الموقف البريطاني الجديد بشأن فرض قيود على تجارة منتجات المستوطنات والاستثمار المرتبط بها، ليدفع هذا المسار إلى مرحلة مختلفة، خصوصًا مع تزامنه مع تحرك دولي وأوروبي آخذ في الاتساع ضد الاستيطان، في وقت تواصل فيه حكومة الاحتلال الدفع بمخططات استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
ويرى الدكتور مأمون أبو عامر، الخبير المختص في الشأن 'الإسرائيلي'، أن الموقف البريطاني يمثل تحولًا مهمًا في طبيعة الضغط الغربي على حكومة الاحتلال، موضحًا أن الإجراءات الجديدة لم تأتِ بمعزل عن موقف أوروبي ودولي يتوسع تدريجيًا، وإنما جاءت في سياق تحرك سياسي واضح ضد الاستيطان وما يترتب عليه من تهديد لمستقبل القضية الفلسطينية.
ولا تتوقف أهمية الخطوة البريطانية، وفق أبو عامر، عند طبيعة الإجراءات نفسها، وإنما تمتد إلى الغطاء السياسي الذي حصلت عليه داخل بريطانيا، إذ لم يعد الأمر مجرد موقف لوزير خارجية أو لحكومة بعينها، بل بات يحظى بحضور داخل المشهد السياسي البريطاني، بما يعكس وجود قدر من التوافق حول ضرورة التعامل مع قضية الاستيطان بصورة أكثر جدية.
وتتزامن هذه الخطوة مع إعلان 12 دولة أوروبية إلى جانب كندا دعمها إجراءات تستهدف المستوطنين أو المنتجات القادمة من المستوطنات، وهو ما يعتبره أبو عامر تطورًا 'إيجابيًا جدًا'، لأنه يضع حكومة الاحتلال أمام تحرك جماعي لا يقتصر على دولة أوروبية واحدة.
وسبق هذا التحرك إجراءات اتخذتها دول أوروبية أخرى، بينها هولندا وبلجيكا وإسبانيا وسلوفينيا، فيما أعلنت هولندا أن حظر سلع المستوطنات سيدخل حيز التنفيذ في 22 سبتمبر/أيلول الجاري، على أن يشمل الحظر أيضًا المواد الأولية إذا كان مصدرها المستوطنات.
وتُقدر قيمة تجارة المستوطنات بما بين 200 و300 مليون دولار سنويًا، فيما تشكل صادراتها نحو 2% من إجمالي صادرات البضائع الإسرائيلية، لكن الخطر، بحسب القراءة الإسرائيلية نفسها، لا يرتبط بهذه القيمة وحدها.
تدقيق أوسع
فمع اتساع القيود، يمكن أن تتحول القضية من منع بيع منتج مصدره مستوطنة إلى فحص كامل لسلسلة الإنتاج والتوريد، بما يجعل منتجات مثل التمور والنبيذ ومستحضرات التجميل في دائرة الاستهداف، ويفتح الباب أمام تدقيق أوسع في الشركات التي تعتمد على مواد أو مكونات مصدرها المستوطنات.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية النموذج الهولندي، الذي لا يكتفي بالنظر إلى مكان تصنيع السلعة، وإنما يمكن أن يطال المنتج إذا كانت المواد الأولية الداخلة فيه قادمة من مستوطنة.
ويضيف أن الإدارة الأميركية تبدو حريصة على عدم فتح جبهة جديدة في هذا الملف، ولذلك لا تتحرك في الاتجاه نفسه الذي بدأت تتحرك فيه بعض الدول الأوروبية، وهو ما يجعل الفارق بين الموقفين الأميركي والأوروبي أكثر وضوحًا.
وبالنسبة لحكومة الاحتلال، فإن أهمية هذا الاختلاف لا تتعلق فقط بالموقف السياسي، وإنما بكون الاتحاد الأوروبي يمثل مساحة اقتصادية وتجارية شديدة الأهمية بالنسبة لـ'إسرائيل'، الأمر الذي يجعل تحول الموقف الأوروبي إلى إجراءات جماعية أكثر حساسية من إجراءات محدودة تتخذها دولة بمفردها.
ولا يبدو أن حكومة نتنياهو تتعامل مع هذه التطورات باعتبارها مجرد خلاف تجاري، إذ بدأ الموقف الإسرائيلي يأخذ منحى دبلوماسيًا أكثر حدة، وصولًا إلى قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة ومنح بريطانيا مهلة لتنفيذ القرار، إلى جانب إجراءات أخرى استهدفت شخصيات ومسؤولين بريطانيين.
ويعتبر أبو عامر أن هذا الرد يحمل وجهين؛ الأول يتمثل في كونه تصعيدًا إسرائيليًا مباشرًا ضد بريطانيا، والثاني أنه قد يدفع لندن إلى مزيد من التشدد بدل التراجع، لأن إغلاق القنصلية لا يخدم بالضرورة المصلحة 'الإسرائيلية'، ويمكن أن يتحول إلى عنصر إضافي في الأزمة بين الجانبين.
فرض كلفة سياسية
ويوضح أن القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ليست مجرد بعثة دبلوماسية تؤدي وظيفة تقليدية، وإنما لها ارتباط مباشر بالملف الفلسطيني، وتمثل بريطانيا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة في القضايا الفلسطينية، ولذلك فإن استهدافها يحمل رسالة سياسية تتجاوز الخلاف حول الاستيطان إلى طبيعة العلاقة البريطانية بالجانب الفلسطيني.
وبحسب رؤيته، تحاول 'إسرائيل' من خلال هذه الإجراءات فرض كلفة سياسية على الدول التي تتخذ مواقف مخالفة لسياستها، سواء تعلق الأمر بالاستيطان أو بالدولة الفلسطينية، وكأن الرسالة الإسرائيلية هي: إذا ذهبتم بعيدًا في دعم الفلسطينيين أو الضغط على حكومة الاحتلال، فإننا سنذهب بعيدًا أيضًا في إجراءاتنا ضدكم.
لكن هذا النهج، وفق أبو عامر، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذا اعتبرت الدول الأوروبية أن الرد الإسرائيلي على إجراءاتها تجاوز حدود الخلاف السياسي وأصبح محاولة للضغط عليها أو معاقبتها دبلوماسيًا.
ويرى أن هذا الاحتمال قائم، خصوصًا إذا تحولت الخطوات الحالية من إجراءات منفردة إلى موقف أوروبي أوسع، لأن انتقال الملف إلى مستوى الاتحاد الأوروبي سيكون أكثر خطورة بالنسبة للحكومة 'الإسرائيلية'.
ويشير إلى أن المعضلة بالنسبة لـ'إسرائيل' لا تكمن في خسارة سوق محدودة لمنتجات المستوطنات، بقدر ما تكمن في احتمال انتقال الضغط من المستوطنات إلى العلاقات التجارية والاقتصادية مع 'إسرائيل' ككل، وهو ما قد يضع الحكومة 'الإسرائيلية' أمام مشكلة أكبر بكثير.
ويضيف أن الاتحاد الأوروبي يمثل مساحة اقتصادية وتجارية شديدة الأهمية لـ'إسرائيل'، ولذلك فإن أي انتقال من الإجراءات الخاصة بالمستوطنات إلى إجراءات أوروبية أوسع يمكن أن يشكل ضغطًا حقيقيًا على حكومة الاحتلال، وليس مجرد خطوة رمزية.
ومن هنا، فإن الاختبار المقبل داخل أوروبا سيكون، بحسب قراءته، حول سؤال أساسي: هل تظل الإجراءات محصورة في إطار كل دولة على حدة، أم تتحول إلى سياسة أوروبية موحدة تجاه الاستيطان؟
والوصول إلى هذه المرحلة، وفق أبو عامر، سيكون تطورًا شديد الحساسية بالنسبة لحكومة نتنياهو، لأن القضية عندها لن تعود مرتبطة بقيود محدودة على منتجات المستوطنات، وإنما ستصبح مرتبطة بمستقبل العلاقات الأوروبية مع حكومة الاحتلال وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويرى أبو عامر أن استمرار هذه السياسة رغم اتساع الضغط الدولي يعكس حالة من 'الجنون السياسي' داخل الحكومة 'الإسرائيلية'، لأنها بدل أن تستجيب للضغوط المتزايدة أو تحاول تخفيفها، تواصل الذهاب في الاتجاه نفسه، سواء عبر توسيع الاستيطان أو اتخاذ إجراءات ضد الدول التي تنتقد سياستها.
ويعتقد أن حكومة نتنياهو تجد نفسها أمام مفترق خطير؛ فهي من جهة تريد تثبيت مشروعها الاستيطاني وتوسيع السيطرة على الأرض، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا دوليًا متزايدًا، خصوصًا من دول كانت تاريخيًا ضمن الدائرة الغربية الداعمة لها.
ولا يعني إدراج هذه الشركات أنها تعرضت لعقوبات فعلية، لكنه يكشف حجم دائرة المخاطر المحتملة في حال انتقلت الإجراءات الغربية من المنتج الاستيطاني إلى الشركات المتورطة في سلاسل التوريد أو النشاط المرتبط بالمستوطنات.
ويزداد هذا الاحتمال حساسية مع ما كشفه تقرير منظمة 'غلوبال إيكو' في يونيو/حزيران الماضي، بعد تحليل أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير إسرائيلية مرتبطة بنحو 6 آلاف شحنة زراعية إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وسويسرا بين 2017 و2026، إذ قدر أن أكثر من 17% من تلك الشحنات جاءت كليًا أو جزئيًا من المستوطنات.
ويخلص أبو عامر إلى أن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون حول حظر منتج هنا أو فرض قيد هناك، وإنما حول طبيعة الضغط الأوروبي وما إذا كان سيبقى سياسيًا ورمزيًا أم يتحول إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية أوسع.
ويرى أن انتقال أوروبا إلى موقف جماعي سيكون نقطة تحول مهمة، لأنه سيضع حكومة الاحتلال أمام معادلة مختلفة، خصوصًا إذا امتدت الإجراءات من المستوطنات إلى الشركات والعلاقات التجارية والاقتصادية الأوسع.
وفي المقابل، لا يتوقع أبو عامر أن تتراجع حكومة نتنياهو بسهولة عن سياساتها الاستيطانية، بل يرجح استمرارها في تنفيذ مخططاتها، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من التصعيد بين 'إسرائيل' وعدد من الدول الأوروبية، خصوصًا إذا استمرت الدول الغربية في الربط بين الاستيطان ومستقبل الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.
وبذلك، لا تبدو معركة سلع المستوطنات مجرد نزاع حول التمور أو النبيذ أو مستحضرات التجميل، بل بداية اختبار أوسع: هل تستطيع أوروبا تحويل الاستيطان من ملف تدينه سياسيًا إلى نشاط تترتب عليه كلفة اقتصادية ودبلوماسية؟
فإذا بقيت الإجراءات محدودة، ستظل كلفتها المباشرة على اقتصاد الاحتلال محدودة نسبيًا، أما إذا انتقلت إلى مستوى أوروبي موحد، وامتدت إلى الشركات والتمويل والاستثمارات وسلاسل التوريد، فإن ما تواجهه حكومة نتنياهو لن يعود مجرد أزمة مع منتجات المستوطنات، وإنما مواجهة مع الكلفة الاقتصادية والسياسية للمشروع الاستيطاني نفسه.

























































