اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، ليس رمضان مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو «فيضان من الجود» يغمر الحواضر والبوادي. هو الشهر الذي يتحول فيه «الفرد» إلى «أمة»، وتصبح فيه «الأنا» جزءاً من «نحن» الكبيرة. منذ أن وصف النبي هذا الشهر بأنه «شهر المواساة»، صاغ العرب والمسلمون تقاليد في التكافل الاجتماعي لم تعرفها حضارة أخرى؛ فابتكروا «موائد الرحمن» التي تذيب الفوارق الطبقية، وأسسوا «صناديق الخير» التي لا تترك محتاجاً، وجعلوا من «إطعام الطعام» طقساً يومياً يسبق صلاة المغرب. من «تكايا» القدس ودمشق إلى «فرجان» الخليج، ومن «موائد» مصر إلى «بروش» السودان، تروي لنا هذه الحلقة كيف تحول «الجود الرمضاني» إلى هوية حضارية تجمع الأمة على مائدة الحب والكرامة.
•الجذور التاريخية.. من «مائدة الليث» إلى «دار الفطرة»
تؤكد المصادر التاريخية أن «الجود الرمضاني» كان سياسة دولة بقدر ما هو فطرة شعب. يذكر المؤرخ المقريزي في «الخطط» أن «موائد الرحمن» بجذورها تعود إلى عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي أمر ببناء «دور للضيافة» للصائمين الغرباء والمساكين.
أما في مصر، فقد اشتهر الفقيه الليث بن سعد في العصر العباسي بمائدته الأسطورية التي كانت تمتد لتطعم مئات الفقراء يومياً بأفخر أنواع الطعام. وفي العصر الفاطمي، أُسست «دار الفطرة»، وهي مؤسسة حكومية ضخمة كانت مهمتها تجهيز آلاف الأرطال من الدقيق والسكر واللوز لتوزيعها على الفقراء قبل رمضان وفي أثنائه، فيما عُرف بـ «المكرمات السلطانية». هذا الإرث التاريخي غرس في الإنسان العربي فكرة أن «بركة المال» تزيد بالإنفاق في رمضان.
• «موائد الرحمن» في مصر.. فلسفة «الصحن المكشوف»
تُعدُّ مصر «عاصمة موائد الرحمن» في العالم العربي.
-ساحات الجود: يذكر المؤرخ الجبرتي أن الأعيان والتجار في القاهرة كانوا يتنافسون في نصب الخيام في الميادين العامة لتقديم الإفطار. لا يهم من أنت، يكفي أنك «صائم» لتجلس بجوار الغني والفقير على مائدة واحدة.
-البُعد الشعبي: في الحارات المصرية، يبرز طقس «توزيع التمر» عند إشارات المرور والميادين قبل الأذان بدقائق، وهي «مائدة رحمن مصغرة» يشارك فيها الشباب بروح قتالية لضمان ألا يؤذن المغرب وهناك صائم لم يكسر صومه، في تجسيد حي لمعنى «التكافل الفطري».
• بلاد الشام وفلسطين.. «التكايا» وصمود القدس
في دمشق وبيروت والقدس، يأخذ التكافل طابع «المؤسسات الأهلية» الراسخة:
-تكية خاصكي سلطان: في القدس، تظل «التكية» هي صمام أمان الفقراء والمعتكفين في الأقصى منذ العصر العثماني. هي ليست مجرد مطبخ، بل هي رمز للصمود الاجتماعي؛ حيث تُوزع «شوربة الجريش» واللحم يومياً، بتمويل من أوقاف خيرية ومحسنين يرفضون ذكر أسمائهم.
-السكبة الشامية: في دمشق وبيروت، يبرز طقس «السكبة»، وهو تبادل أطباق الطعام بين الجيران قبل المغرب. هذا الطقس يضمن أن كل بيت تذوق طعام جاره، مما يعني «كفاية اجتماعية» تلقائية تجعل حتى أفقر البيوت ممتلئة بأصناف متنوعة من الطعام بفضل الجود المتبادل.
•الخليج والجزيرة العربية.. «المجالس المفتوحة» و»المير الرمضاني»
في دول الخليج، يرتبط التكافل بمفهوم «المجلس» و«الفريج»:
-المير الرمضاني: هو تقليد أصيل يتمثل في توزيع طرود غذائية ضخمة (الأرز، السكر، التمر، السمن) على الأسر المتعففة قبل بداية الشهر بأسبوع. يذكر الباحثون في التراث الخليجي أن الأسر الكبيرة كانت تخصص ميزانيات ضخمة لـ «المير» كجزء من زكاة المال والنفوس.
- مساجد الحي: في كل «فريج» (حي) بالإمارات والكويت والسعودية، تُنصب خيام إفطار ضخمة بجوار المساجد، حيث يتسابق المواطنون لإرسال أطباق من «الهريس» و«المجبوس» من بيوتهم إلى هذه الخيام، ليأكل منها العمال والمارة والغرباء، في مشهد يكرس قيمة «إكرام الضيف» المتأصلة في الشخصية العربية.
•السودان والمغرب العربي.. «قطع الطريق» وجماعية المائدة
-السودان (بروش الشوارع): يمتلك السودانيون أغرب وأجمل طقس للتكافل؛ حيث يخرج الرجال بـ «البروش» (الفرش) إلى الشوارع الرئيسية ويضعون طعامهم، ويقومون حرفياً بـ «قطع الطريق» على المارة والسيارات لإجبارهم على الإفطار معهم. يرفض السوداني أن يفطر داخل بيته وحيداً، معتبراً ذلك «منقصة» في حقه، مما جعل الشارع السوداني في رمضان مائدة رحمن ممتدة لآلاف الكيلومترات.
-المغرب وتونس والجزائر: يبرز «صندوق الزكاة» وتوزيع «قفة رمضان». في المغرب، تشرف المؤسسات الخيرية والجمعيات على توزيع «الحريرة» والتمر والحلويات في الأحياء الشعبية. كما يبرز «إفطار الصائم» في الزوايا الصوفية التي تفتح أبوابها للغرباء وعابري السبيل كجزء من طقوس «المحبة والخدمة».
• «صناديق الخير» والإصلاح الاجتماعي
تطورت فكرة التكافل من «إطعام الطعام» إلى «كفاية المحتاج»:
1. فك كرب الغارمين: تنشط في رمضان حملات التبرع لسداد ديون المسجونين ليعودوا إلى أسرهم قبل العيد.
2. كسوة العيد: تبدأ «صناديق الخير» في النصف الثاني من الشهر بجمع الملابس الجديدة للأيتام، لضمان ألا تكتمل فرحة رمضان بدمعة طفل محتاج.
3. الصدقة الجارية: يفضل الكثير من العرب حفر الآبار أو بناء المدارس في هذا الشهر، مستغلين مضاعفة الأجر.
• التكافل في عصر «الرقمية»
رغم تغير الزمن، لم يختفِ التكافل بل اتخذ أشكالاً عصرية. ظهرت «التطبيقات الذكية» التي تتيح للمتبرع شراء وجبات وتوزيعها بكبسة زر، وظهرت «الثلاجات الخيرية» أمام المساجد والبيوت. ومع ذلك، يظل «الطبق الذي يحمله الطفل لجاره» و«الخيمة المفتوحة في الميدان» هما الرمز الأقوى للتكافل، لأن الجود في الوجدان العربي ليس مجرد «تحويل مالي»، بل هو «تواصل إنساني» وابتسامة تُقدم مع رغيف الخبز.
****
إن التكافل والجود في الوجدان العربي هما «الروح» التي تحرك جسد الصيام. من «تكية» القدس الصامدة إلى «شوارع» الخرطوم الكريمة، ومن «موائد» القاهرة الزاخرة إلى «مجالس» الخليج العامرة، يثبت العرب أنهم أمة «الجسد الواحد». سيظل رمضان هو الموسم الذي نكتشف فيه أن «القليل الذي نتقاسمه هو كثير في ميزان الإنسانية»، وأن الصوم الحقيقي ليس عن الطعام، بل عن «الأنانية». سيظل الجود الرمضاني هو النور الذي يضيء عتمة الفقر، والميثاق الذي يربط القلوب، ويؤكد أننا أمةٌ تُعرف بـ «كرمها» كما تُعرف بـ «دينها».











































































