اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ أيلول ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
تقوم التنمية الراسخة على وضوح اتجاه جامع تنتظم تحته السياسات والمبادرات، وتلتقي عنده الأولويات دون أن تفقد القطاعات خصوصيتها. وحين يستقر هذا الاتجاه لا تبقى التنمية برامج متجاورة، بل منظومة تتحرك بأدوات متعددة نحو غاية واحدة. وتشتد الحاجة إليه كلما اتسع نطاق العمل التنموي وتنوعت مجالات الاستثمار، فكثرة المبادرات لا تصنع بذاتها اتساقاً، وجودة أداء كل مسار على حدة لا تضمن كفاءة الصورة الكلية.
ومن هذا المدخل تأتي دراسة الميز التنافسية التي تتولى وزارة الاقتصاد والتخطيط إعدادها وتحديثها، إذ تضع أساساً وطنياً لقراءة المكان بوصفه عنصراً في القرار الاقتصادي لا خلفية له. ولا تقف قيمة هذا الأساس عند تحديد ما تتميز به كل منطقة، بل تمتد إلى أثره في توجيه الموارد وترتيب الأولويات وبناء البرامج وقراءة النتائج.
غير أن الاعتماد الرسمي، على أهميته، لا يضمن هذا الأثر. فالاعتماد والتحديث لا يكفلان وحدهما أن تدخل المحددات المكانية بانتظام في مسارات العمل المختلفة، مهما حسن أداء كل مسار في نطاقه. والنقص عندئذ لا يكون في المعرفة، وإنما في صلتها بالقرار.
وهنا يتحدد جانب دقيق في البناء المؤسسي. فاستدعاء الدراسة عند الحاجة يختلف عن امتداد أثرها إلى آليات التخطيط والمفاضلة والمتابعة. في الحالة الأولى يظل تأثيرها مرتبطاً باجتهاد كل جهاز، أما في الثانية فتدخل في صياغة السياسات، ويصبح أثرها حاضراً في القرار دون حاجة إلى الرجوع إليها في كل مرة.
عند هذا المستوى تصبح إدارة الاتجاه أهم من إدارة المبادرات منفردة، فالتنمية لا تحتاج إلى تماثل أدواتها بقدر حاجتها إلى وضوح المنطق الذي يجمعها. وتختلف الأولويات القطاعية ووسائل التمويل ومؤشرات الأداء، غير أن قدرتها على إنتاج أثر تراكمي ترتبط بأساس مشترك يصل القرار بخصائص المكان وبالفرص التي يملكها فعلاً. ومن دون هذا الأساس تتقارب الجهود في النية دون أن تتكامل في الأثر.
حين تبقى الدراسة في موقعها الاسترشادي تظهر كلفتها مع الزمن، لا في إخفاق ظاهر، وإنما في أثر ممكن لا يكتمل. فتُقرأ الفرص في غير توقيتها الأمثل، وتتوزع الموارد على مسارات يستقيم كل منها في ذاته، دون أن تجتمع كلها على أثر متكامل. والفجوة هنا لا تنشأ من ضعف مسار بعينه، بل من غياب المرجع المشترك الذي يصل بينها قبل أن تكتمل قراراتها.
من هنا تأتي أهمية الانتقال من القيمة التحليلية إلى القيمة المؤسسية. ولا يقتضي ذلك توسيع صلاحيات أو إنشاء هياكل إضافية، وإنما يتحقق حين تصبح الميز التنافسية جزءاً من منطق العمل، فيتحول تنوع الأدوات إلى مصدر قوة، لأن كل أداة تتحرك داخل اتجاه معروف، لا داخل مسار يبحث عن نقطة التقاء بعد اكتمال القرار.
ويتجاوز أثر ذلك حدود الكفاءة الآنية. فتوجيه الموارد وفق منطق مكاني واضح يراكم معرفة أدق، ويحد من ازدواجية الجهود، ويمنح السياسات قدرة أكبر على الاستمرار عبر الزمن. كما يخفف الحاجة إلى إعادة بناء الأولويات كلما تجددت الخطط، لأن المنظومة تحتفظ بمنطقها حتى مع تبدل الأدوات وتغير البرامج، فيصير الاتساق سمة دائمة لا جهداً موسمياً.
على هذا الأساس لا تكتمل قيمة المعرفة التخطيطية بما تقدمه من قراءة دقيقة وحدها، وإنما بما تتركه من أثر مستقر في بنية القرار. فإدراك أين تكمن ميز المناطق يمنح القرار قاعدة يستند إليها، أما دخول هذه المعرفة في الاختيار وتخصيص الموارد والمتابعة فيمنح القرار اتجاهاً يمضي فيه. ولا يكفي أن تتعدد النجاحات إذا لم يجمعها منطق واحد، فالأثر الممتد يبدأ حين تتحول المعرفة من مرجع يُقرأ إلى اتجاه يُبنى عليه.










































