اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
أعلنت شركة «إنفيديا» أن تركيز سوق الذكاء الاصطناعي في السعودية شهد تحولاً جوهرياً، إذ لم يعد يقاس النجاح بعدد وحدات الحوسبة المسرّعة التي يتم بناؤها، بل بالإنتاجية الاقتصادية والكفاءة في استهلاك الطاقة التي توفرها هذه القدرات للمؤسسات. وأكدت الشركة أن السعودية دخلت مرحلة جديدة تركز على استخدام الذكاء الاصطناعي عملياً في القطاعات التجارية والصناعية والخدمية.
وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، قال مارك دومينيك، نائب الرئيس لقطاع المؤسسات في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا وجنوب أوروبا لدى «إنفيديا»، إن القدرة الحاسوبية لا تزال عنصرًا جوهريًا، لكن التحدي الحقيقي يكمن في مدى تمكين هذه البنية التحتية للشركات من بناء ونشر وتوسيع التطبيقات الذكية. وأشار دومينيك إلى أن قطاعات مثل الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والخدمات المالية هي من المجالات الرئيسية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف فيها قيمة اقتصادية ملموسة.
وخلال المؤتمر نفسه، تم إطلاق سحابة الذكاء الاصطناعي المحلّية المدعومة بمنصة «NVIDIA Blackwell Ultra» عبر شركة «هيومين»، وهو ما يعكس الانتقال من بناء القدرات الحاسوبية إلى توفيرها للاستخدام الفعلي من قبل عدد أكبر من المؤسسات الحكومية والشركات، دون الحاجة إلى بناء بنى تحتية متخصصة لكل جهة. وأوضح دومينيك أن سهولة الوصول إلى الحوسبة المتقدمة أصبحت من العوامل الأساسية التي تساعد المؤسسات على الانتقال من مرحلة التجربة إلى التشغيل الفعلي على نطاق واسع.
وتشير «إنفيديا» إلى أن تحول أعباء العمل في السعودية يتركز بشكل متزايد على مرحلة «الاستدلال» (Inference)، وهي المرحلة التي يقدم فيها النموذج الذكي القيمة الفعلية عبر الإجابة على الأسئلة، أو توليد المحتوى، أو تحليل المشكلات، أو تنفيذ الإجراءات. ويزيد هذا الأمر من متطلبات البنية التحتية للحوسبة، لا سيما مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agent AI)، الذي يتطلب عمليات معقدة ومتعددة الخطوات وتتفاعل مع نماذج وأدوات مختلفة قبل الوصول إلى النتائج.
وبناءً عليه، تستخدم «إنفيديا» مفهوم «مصنع الذكاء الاصطناعي» لوصف هذا التحول الاقتصادي والتقني، حيث يختلف عن مراكز البيانات التقليدية التي ركزت أساسًا على التخزين والمعالجة، فيصبح الهدف الآن هو إنتاج «الذكاء» على نطاق واسع. ويتطلب هذا النظام بنية متكاملة تجمع الحوسبة المسرّعة، والمعالجات المركزية، والذاكرة، والتخزين، والشبكات، والبرمجيات كوحدة متماسكة. كما تولي «إنفيديا» أهمية كبيرة لمعدلات إنتاج الرموز (Tokens) والأداء لكل واط مستهلك، بالإضافة إلى التكلفة لكل وحدة، باعتبارها مقاييس أساسية لتقييم الكفاءة الاقتصادية لبنية الذكاء الاصطناعي.
ومن جانب الكفاءة الطاقية، ركز دومينيك على أهميتها في تحسين اقتصاديات مشاريع الذكاء الاصطناعي في السعودية، موضحًا أن زيادة كفاءة استهلاك الطاقة تتيح القدرة على تشغيل مزيد من أعباء العمل ضمن نفس حدود الطاقة، وتحسين استغلال الموارد، وخفض تكاليف التشغيل. وأكد أن الكفاءة لا تتعلق بعنصر واحد منفصل، بل بفعل تناغم الحوسبة، والذاكرة، والشبكات، والبرمجيات، وأنظمة التبريد، لا سيما في ظل ارتفاع الطلب على استدلال الذكاء الاصطناعي الوكيلي.
فيما يتعلق بتفعيل الذكاء الاصطناعي في البيئات الصناعية، أوضح دومينيك أن بعض التطبيقات تتطلب تنفيذ الذكاء قريبًا من مصدر البيانات، مثل الروبوتات والآلات ذاتية التشغيل وأنظمة الرصد الداخلية، التي تحتاج لاتخاذ قرارات فورية في أجزاء من الثانية. وبذلك، تشكل بنية الحوسبة عند الحافة (Edge Computing) جزءًا مكملًا ومتكاملًا مع مراكز البيانات المركزية، حيث تتم عمليات التدريب والتطوير على المستوى المركزي، ثم يتم نشر النماذج لاستخدامات الحوسبة عند الحافة في المصانع والمستودعات وأماكن العمل.
وتبرز أهمية الذكاء الاصطناعي المادي واستخدام التوائم الرقمية في السعودية، خاصة في قطاعات الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية. فالتوائم الرقمية تمكّن المؤسسات من محاكاة عملياتها ومنشآتها قبل إجراء التعديلات، بينما تدعم الرؤية الحاسوبية والروبوتات الفحص والصيانة والأتمتة مع تحسين السلامة. كما تسمح هذه الأنظمة بتدريب الروبوتات والأنظمة ذاتية التشغيل في بيئات افتراضية دقيقة للتحقق من أدائها قبل نشرها، مما يسرّع دورات التطوير ويسهم في نشر أتمتة آمنة وفعالة.
أما عن استمرار بعض المؤسسات في مرحلة إثبات المفهوم رغم التوسع الكبير في الاستثمار، فيرجع دومينيك سبب ذلك إلى اختلاف طرق تبني الذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات الناجحة تعزز الذكاء الاصطناعي كقدرة رئيسية ضمن نموذج أعمالها، عبر بنية تحتية موثوقة، بيانات ذات جودة عالية، برمجيات مؤسسية، أمان وحوكمة، تكامل مع الأنظمة القائمة، وفِرق تمتلك المعرفة التقنية وفهمًا عميقاً لمشكلات الأعمال. وترتكز هذه المؤسسات على مشكلات قابلة للقياس مثل زيادة الإنتاجية أو تحسين تجربة العملاء لبناء منصات قابلة للتطبيق على نطاق واسع، بدلاً من التعامل مع مشاريع منفصلة.
وفي الختام، أكّد دومينيك أن نجاح استثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بحجم البنية التحتية الحاسوبية، بل بمدى قدرة المؤسسات على زيادة إنتاجيتها وتنافسيتها، وتمكين المطورين من بناء تطبيقات محلية وعالمية، ودعم الشركات الناشئة، ونشر حلول الذكاء الاصطناعي المؤثرة في القطاعات الصناعية. وبالتالي، يتحول السؤال من «ما هي سعة السعودية الحاسوبية؟» إلى «ما مقدار القيمة الاقتصادية التي يمكن إنتاجها باستخدام هذه القدرة، وبأي تكلفة وكفاءة طاقية؟»











































































