اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٦ شباط ٢٠٢٦
يظن بعض الناس ان حقيقة الحرية متوقفة على تخيّر المرء بين الخير والشر، أو في قيام الإرادة متوازنة بينهما، شاعرة بالقدرة على الميل إلى أحدهما. والحال ان قابلية الجنوح إلى الشر ليست من مقومات الحرية، بل من توابع حالتها الحاضرة، أي الساقطة، التي فيها يجد المرء نفسه أميل إلى الشر منها إلى الخير. أما حد الحرية، من باب الإطلاق، ولا من باب النقصان والوهن، فهو قابلية العمل أم تركه، أو المقدرة على اختيار أحد خيرين متساويين أو متفاوتين. لذا، يمكننا القول في الرجل الحائز هذه الحرية انه عائش على الأرض كما يرفرف الطير في الهواء، أو كما يسبح السمك في الماء. أفيجوز، والحالة هذه، الادّعاء بان الطير حبيس في الهواء، او ان السمك سجين في الأنهار؟ كلا، بل الأولى قولنا بان السمك مائت، لا محالة، إذا أخرج من الماء؛ والطير بائد، بلا شك، إذا حبس عنه الهواء. وهذا الشأن هو شأن الإنسان. فإنه إذا عاش منعطفا إلى الخير، تمتع بحياة الحرية؛ وإذا جنح إلى الشر، مات موت العبودية.
هناك إذا تنافر بين طبيعة الإنسان، وطبيعة الحرية. ولله رب العز والجبروت، المجتمعة كمالاته في وحدة ماهيته، والعاجز عجزا مطلقا عن الشر، مهما كانت صبغته، هل من قائل بعدم حريته؟
كلما اقترب الإنسان من مثلى الكمالات الإلهية، اقترب من مثلى الحرية المطلقة.
للإنسان حياتان: حياة انفراد وحياة اجتماع، ما انشأ فيه حريتين: حرية فردية، وحرية اجتماعية. الحرية في الفرد سير إرادة واحدة في سبيل الخير، واما في المجتمع، فهو سير إرادات متعددة، في تلك الطريق، في اشتراك وتضامن.
من حقوق الخير، بعد قيامه، ليس العمل بلا عائق وحسب، بل الوقوف في وجه الشر، منعا له من انزال المضرة فيه، وهذا الحق مصدر كل حرية صادقة وعدلة. فان اهتضمت ، تقوضت أركان الحرية الاجتماعية. وعليه، ان القاعدة الأساسية لحياة الشعوب الحرّة، هي أن يسير القوم في محجة العدل، طبقا للنظام، وفي روح المحبة والتسامح، من غير أن يلحقهم أدنى أذى من قبل الظلام، وأعداء السلام، أرباب الكوارث الهدّامة المشؤومة. وحيث تصان الحقوق وتراعى الآداب، ويعيش المرء في مأمن من كل سوء، فهناك يهنأ الناس بنعمة الحرية. إلّا ان هذه الحالة، حالة جنة الخلد، لم تفضّل بها الطبيعة علينا، ولا رضيت بها عقول مدبرة نصيبا لنا؛ لما لا نزال نراه من مهاجمة الشر للخير، وخصوصا في هذه الدار الفانية. وهذا ما كان سببا في إنشاء المحاكم، على اختلافها واختلاف مسالكها، وكل جماعة خلت من سلطة تقيم قسطاس العدل أمست مسرحا للظلم والجور. وما الغاية المبدئية من القوة الحاكمة سوى صون الحقوق، ونشر لواء الحرية، ما دلّت عليه آية التنزيل القائلة على لسان الرسول المصطفى: «ان الملوك هم خدام لله للخير».
إن سطعت أنوار حقيقة الحرية الصادقة، هان علينا أن نبدّد بأشعتها ظلمات الحرية الكاذبة التي قوامها الضلال، وغايتها تضليل العقول، وإفساد القلوب. فلِمَ ما زال بعضنا يسعى لمساواة الحق بالباطل، والرذيلة بالفضيلة، والنجاسة بالقداسة؟
ما زال بعضنا يتصرف على ما لا يقبله العقل السليم، وتشجبه الأديان، وينكره كل امرئ ، فيه بقية من شرف الإنسانية. ذلك ان الشر لا قائمة له، وليس موجودا، وهو مجرد نفي للخير، والعدم في ذاته!
على معظم مسؤولينا أن يدركوا انه، حيث ضرب الشذوذ أطنابه، تفرّقت مبادئ الخير أيادي سبأ، وتشتت شمل النظام والعدل والحرية فقرئ السلام على الألفة الاجتماعية، وما من سلام!
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه











































































