اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في لحظات الخطر لا تُختبر شجاعة الرجال وحدها، بل تُختبر أيضاً إنسانيتنا، ومدى استعدادنا لأن نكون جزءاً من إنقاذ حياة إنسان، لا مجرد شهود على رحيله.
بعد استشهاد العريف جواد السلايطة، لم يعد المشهد محصوراً في الجريمة الإرهابية التي أودت إلى استشهاده ، ولا في الحزن الذي خيّم على الأردن اجمع ، بل ظهرت أمامنا صورتان تستحقان التوقف والتأمل؛ صورة الملازم الثاني فراس العنانزة، الذي تقدم نحو الخطر ولم يتردد في مواجهة المعتدي، وصورة المتفرجين الذين كانوا في محيط المكان، وما تثيره هذه الصورة من أسئلة حول المسؤولية الإنسانية حين يقع الخطر أمام أعيننا.
أما فراس العنانزة، فقد قدم نموذجاً للشجاعة والإقدام والمسؤولية. لم يقف متردداً أمام مشهد الاعتداء على زميله، ولم ينتظر أن يتدخل غيره، بل اندفع نحو المهاجم وتمكن من تحييده ومنعه من مواصلة جريمته. وبعد ذلك توجه إلى جواد محاولاً إنقاذه، لكن إرادة الله كانت قد سبقت كل محاولة.
هذا موقف يستحق التقدير والاحترام، ويستحق أن يُذكر صاحبه بالاسم، وأن نرفع له القبعة؛ لأنه لم يؤد واجبه المهني فحسب، بل جسّد معنى التضحية والمسؤولية، وأثبت أن الشجاعة تظهر في اللحظة التي يكون فيها التردد أسهل الخيارات.
لكن في المقابل، هناك سؤال لا يجوز أن نتجاهله: ماذا عن الذين كانوا قريبين من موقع الحادث؟ ماذا عن الذين شاهدوا أو سمعوا أو أدركوا أن إنساناً يتعرض لاعتداء خطير؟ هل كانت هناك فرصة لطلب النجدة؟ هل حاول أحد التقدم وافشال عملية القتل ؟ وهل استوعبنا جميعاً أن الوقوف موقف المتفرج في لحظات الخطر ليس دائماً موقفاً محايداً؟
لا أريد أن أُصدر أحكاماً على أشخاص لا أعرف ظروفهم، ولا أن أتهم كل من كان في المكان بالجبن؛ فقد تكون هناك تفاصيل لم نعرفها، وقد يربك الخوف الإنسان، وقد لا يدرك بعض الموجودين حقيقة ما يجري إلا بعد فوات الأوان. لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال الأخلاقي الأوسع: هل أصبحت ثقافة الابتعاد عن الخطر أقوى من غريزة النجدة؟ وهل بتنا نفضّل أن نصوّر الحدث أو نراقبه بدلاً من أن نتحرك للنجدة والعون ولمساعدة؟
ليس مطلوباً من كل مواطن أن يشتبك مع مسلح أو أن يعرّض حياته وحياة الآخرين للخطر، فذلك ليس تصرفاً يمكن مطالبة الجميع به. لكن هناك فرقاً كبيراً بين عدم الدخول في مواجهة مسلحة، وبين عدم وجود ردة فعل على حدث جريمة امام عينك وانت الأقرب اليها والأجدر ان يكون لك ردة فعل ..
ان الطوارئ، وإبلاغ الجهات الأمنية، وتوجيه الآخرين إلى الابتعاد عن الخطر، وتقديم المساعدة الطبية عندما يصبح المكان آمناً، كلها أفعال اعتيادية يستطيع كل من يراقب حادث معين ان يقوم بها ، لكن… في لحظات يتم مشاهدة مجرم ينهال على رجل امن او اي إنسان بخنجر وذبحه ولا يكون من يشاهدوا يحركوا ساكنا.. فهذا الأمر لا يمكن تصوره او قبوله .. مجموعة كبيرة كانت تراقب وكان بامكان الجمع ان يتدخل وبسرعة وبدون سابق انذار ..ولا يمكن لشخص واحد ان يغلب الجمع ..
الموت حق وهي ارادة الله عز وجل لكن الشعور الجمعي لمن كان موجود حول الجريمة بعدم القدرة حتى على المنع او التدخل فهذا الذي لا يقبله احد…
إن الشجاعة ليست تهوراً، والنجدة ليست انتحاراً، لكن اللامبالاة ليست حكمة، والخوف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم للتخلي عن المسؤولية الإنسانية.
وهنا أريد أن أقول إن ما قام به الملازم فراس العنانزة يجب ألا يبقى مجرد قصة بطولية نتداولها لأيام ثم ننساها؛ بل ينبغي أن يكون نموذجاً نعيد من خلاله ترسيخ ثقافة النجدة والمبادرة والمسؤولية، وأن نعمل على تعزيز وعي المجتمع بكيفية التصرف في المواقف الطارئة، دون تعريض الأرواح لمخاطر غير محسوبة.
لقد فقدنا جواد السلايطة، ولا تعيد الكلمات شهيداً إلى أهله، لكن من حقنا أن نتعلم من هذه اللحظة، وأن نكرّم من تقدموا، وأن نسأل أنفسنا بصدق عن مسؤوليتنا عندما يحتاج إنسان إلى النجدة.
ففي ذلك اليوم، كان هناك من تقدم نحو الخطر لينقذ حياة، وكان هناك آخرون في محيط المشهد. وبين الموقفين مسافة كبيرة لا تقاس بالأمتار، بل بما يحمله الإنسان من شجاعة ومسؤولية وإحساس بالآخرين.
تحية إجلال للملازم البطل فراس العنانزة، والرحمة لشهيد الواجب جواد السلايطة، والتحية لكل إنسان يملك شجاعة المبادرة ونخوة النجدة.
فالأوطان لا تحتاج إلى من يصفقون للأبطال بعد انتهاء المعركة فقط؛ بل تحتاج أيضاً إلى مواطنين يعرفون كيف يتصرفون عندما تبدأ لحظة الخطر.

























































