اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
غابات دبين ليست مجرد مساحة خضراء تعبرها الأقدام؛ إنها مكان تتبدل فيه ملامح الطريق كلما تقدمت، من غابة كثيفة إلى سفوح مفتوحة تتداخل بمزارع الزيتون والتين إلى إطلالات تمتد نحو الجبال والافق، فوق دروب تخفيها عروق الصخر.
لبنة وزيت
انطلقنا من قمة محمية دبين، بعد إفطار ريفي من لبنة جرشية وزيت زيتون بكر، مع خبز الطابون وكاسة شاي على الحطب، كان من كرم أحد الرفقاء.
لنبدأ اختراق الغابة الكثيفة. وعلى قمة أحد سفوحها، لفت انتباهنا موقع اختاره أحد المستثمرين لإقامة مشروع فندقي اقترب افتتاحه، يطل على مدينة جرش ويمنح زواره مشهدًا مفتوحًا للشروق من فوق الجبال؛ تجربة تستحق أن تُعاش في يوم ماطر.
كان الطريق يأخذنا بين أشجار البلوط والقيقب، وقد بدأ القيقب يغيّر لونه نحو الحمرة، فتداخلت أوراقه المتساقطة مع الأغصان في مشهد يخال للمرء معه أن أجسادًا بشرية تقف بتجرد صامتة داخل الغابة.
أيلول ذيله مبلول
وما ان انتصاف النهار، حتى بدأت أولى قطرات شتاء أيلول تهطل، وكما يقول المثل الشعبي: «أيلول ذيله مبلول».
لم تلبث القطرات أن ازدادت، فواصلنا المسير وسط رائحة الأرض الرطبة، بينما أضفى المطر على الغابة هدوءًا مختلفًا، امتزج بصوت القطرات وموسيقى الطبيعة. وكان انتشار نبات عود الري بكثافة باعثًا على التفاؤل بموسم مطري جيد.
وبعد نحو ساعة من المسير، وصلنا إلى نقطة انفتحت منها الرؤية على بحيرة سد الملك طلال، تتوسط المشهد محاطة ببيارات برما، فيما بدت في الأفق مشارف جبال السلط وعمّان.
والغيوم تمنح المشهد عمقًا إضافيًا، وتحول المساحات البعيدة إلى طبقات متدرجة من الجبال والسهول والماء، يصل بينها قوس قزح يعيدنا للوحات فان كوخ.
موسم الخير
واصلنا الطريق بين مزارع الزيتون، التي بدت مبشرة بموسم خير، وبساتين التين التي كانت تودع آخر ثمارها. وبينهما كان المسار يصعد بنا من تلة إلى أخرى، في رحلة تتغير تفاصيلها مع كل منعطف.
وفي إحدى المحطات، لاح أمامنا بقايا خربة قديمة، تناثرت حجارتها على امتداد الموقع. وتشير الحفر والعبث الظاهر فيه إلى أن باحثين عن الدفائن والكنوز ربما عبثوا بأجزاء كبيرة منه، تاركين وراءهم حفرًا عميقة تشكل خطرًا على المارة، وحجارة متناثرة تعكس حجم ما تعرض له المكان.
وأكثر ما لفت انتباهنا كثرة الجرون الحجرية المنقورة في الصخور الصماء؛ عناصر تستحق التوثيق والدراسة من المختصين، قبل أن تضيع معالم الموقع تحت وطأة الزمن والعبث.
بوابة الريح
واصلنا المسير حتى بلغنا الشفا المطل على وادي راجب وبلدة الزرعة. هناك كانت استراحة القهوة؛ جلسنا أمام الأفق، وتركنا للصمت أن يأخذ مكانه وكلا يحلم ان يكون له بيت ريفي هنا.
ففي مثل هذه الأماكن لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن تراقب امتداد الوادي والجبال، وأن تستمع إلى الريح وهي تعبر بين السفوح.
ومن بين جبلين متقابلين، بدا المكان كأنه بوابة للريح، تعبر منها الغيوم القادمة من جهة أم الفحم ومناطق فلسطين، بينما يظل المرتحل واقفًا أمام مشهد أكبر من أن تختصره الكلمات.
وهممنا لحمل حقائبنا من جديد، لنواصل الطريق ونُتمّ مسارًا بلغ نحو 16 كيلومترًا، بمستوى صعوبة معتدل، جمع بين الطبيعة والتاريخ والمشهد الجغرافي المفتوح.
بين دبين وراجب، لا تُقاس الرحلة بعدد الكيلومترات وحدها؛ فبعض المسارات تمنحك، إلى جانب المسافة، حكاية عن المكان، وصورة تحفظها الذاكرة، ولحظة مطر وصمت تجعل الطريق يستحق أن يُعاد.
* رحال وباحث في سياحة المغامرة

























































