اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ليست كل الحروب تبدأ بصوت الرصاص فبعضها يبدأ بفكرة تتسلل إلى عقل طفل، أو رسالة عابرة على شاشة هاتف، أو خطاب كراهية يجد طريقه إلى قلب شاب يبحث عن هويته ومكانه في هذا العالم.
وحين تتحول الفكرة إلى قناعة والقناعة إلى تحريض والتحريض إلى سلوك نكون أمام خطر لم يعد بالإمكان التعامل معه باعتباره حدثا عابرا أو أزمة مؤقتة.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره في مواجهة الإرهاب ليس موقعا أو منشأة أو حدودا بل جيلا كاملا من أبنائنا اذا تركت عقولهم فريسة لأفكار الظلام، واستُغلت أحلامهم وأسئلتهم وإحباطاتهم لتوجيههم نحو الكراهية والعنف والتطرف.
فالأطفال الذين نحتضنهم اليوم، والشباب الذين نراهم يحملون أحلامهم إلى المستقبل، هم أمانة في أعناقنا جميعا .
وحمايتهم ليست مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة بمفردها ولا الأجهزة الأمنية فقط إنها مسؤولية وطنية تتطلب أن تتكامل فيها أدوار الدولة والمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، وأن ننتقل من الاكتفاء بإطفاء الحرائق إلى منع اشتعالها من الأساس.
لقد كشفت الأحداث والتطورات الأخيرة أن مواجهة التطرف لا تحتمل الانتظار، وأن حماية المجتمع تبدأ من فهم التحولات التي تحدث في عقول الأجيال الجديدة، ومن إدراك أن التطرف لا يولد فجأة، بل قد ينمو في بيئات يغيب عنها الحوار، ويضعف فيها الوعي، وتتراجع فيها فرص الاحتواء والمشاركة، وتصبح فيها المنصات الرقمية مساحة مفتوحة أمام من يتقنون استغلال العقول وصناعة الوهم.
فليس كل من يحمل فكرا متطرفا بدأ طريقه بالسلاح، وليس كل من يقع ضحية للتحريض كان يدرك إلى أين تقوده الكلمات.
وهنا تكمن مسؤوليتنا الكبرى: أن نصل إلى أبنائنا قبل أن يصل إليهم تجار الكراهية، وأن نمنحهم الوعي قبل أن تمنحهم منصات التحريض أفكاراً مشوهة، وأن نفتح أمامهم أبواب الحوار قبل أن يجدوا أنفسهم في دوائر مغلقة لا تسمح بالاختلاف أو السؤال.
إن المدرسة يجب ألا تكون مجرد مكان لتلقين المناهج واجتياز الامتحانات بل مساحة لبناء الشخصية والوعي والقدرة على التفكير والتحليل والتمييز بين الحقيقة والتضليل.
والجامعة يجب أن تكون منبرا للحوار وتقبل الاختلاف، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.
أما الأسرة فهي خط الدفاع الإنساني الأول، حيث تبدأ التربية على المحبة والانتماء واحترام الآخر، وحيث يجب أن يجد الطفل والشاب من يستمع إليه، ويفهم مخاوفه، ويحتوي أسئلته دون تخويف أو إقصاء.
ولعلنا بحاجة اليوم إلى أن نعيد النظر في طبيعة البرامج التي نقدمها لأطفالنا وشبابنا، وأن ننتقل من المحاضرات الموسمية والشعارات العامة إلى برامج وطنية مستدامة، تصل إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وتتناول مخاطر التطرف والتجنيد الإلكتروني وخطاب الكراهية، وتمنح الأجيال أدوات التفكير النقدي والحوار، وتفتح أمامهم مساحات حقيقية للمشاركة والإبداع والعمل التطوعي.
ولا يمكن أن نتجاهل أن المعركة الفكرية انتقلت إلى الهواتف والشاشات والمنصات الرقمية، حيث يمكن لفكرة متطرفة أن تصل إلى آلاف العقول خلال دقائق.
ولذلك، فإن المواجهة تحتاج إلى إعلام رقمي يمتلك أدوات العصر، ومحتوى وطني وإنساني جاذب، واستثمار واعٍ في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط التحريض والكشف المبكر عن محاولات الاستقطاب والتجنيد، ضمن ضوابط قانونية واضحة تحمي المجتمع وتحترم الحريات والخصوصية.
نحن بحاجة إلى إعلام لا يكتفي بنقل الحدث بعد وقوعه بل يشارك في صناعة الوعي، ويقدم خطاباً يواجه الكراهية بالحجة والتعصب بالمعرفة، والتطرف بقيم التسامح والانتماء.
فالمعركة اليوم ليست فقط في كشف من يحرض على العنف، بل أيضاً في تقديم البديل الفكري والإنساني الذي يجعل أبناءنا أكثر مناعة أمام تلك الدعوات.
كما أن المؤسسات الدينية والتربوية والثقافية مطالبة بدور أكثر حضوراً في تعزيز قيم الاعتدال والرحمة واحترام الإنسان.
ومن الضروري ألا نخلط بين التدين والتطرف أو بين الاختلاف الفكري والتحريض، فالتعميم لا يصنع حماية، والاتهام دون أدلة لا يبني وعياً، بل قد يوسع فجوات الثقة داخل المجتمع.
المطلوب هو تشخيص دقيق، ومسؤوليات واضحة، وعمل مشترك يستند إلى الحقائق والقانون.
ومن هنا، أرى أن المرحلة تستدعي تحركا وطنيا جادا لإعادة تقييم الخطط والاستراتيجيات المعنية بمواجهة التطرف، من خلال فريق متخصص يضم خبراء في الأمن والفكر والدين والتربية وعلم الاجتماع والإعلام والتكنولوجيا، لوضع رؤية متكاملة تتجاوز ردود الفعل، وتحدد مسؤوليات المؤسسات، وتقيس أثر البرامج، وتضع مؤشرات واضحة للإنجاز والمساءلة.
ولا بد أن تكون هذه الرؤية مرتبطة بواقع الشباب واحتياجاتهم، فلا يكفي أن نطالبهم بالانتماء دون أن نمنحهم فرصاً حقيقية، ولا أن نحذرهم من التطرف دون أن نفتح أمامهم أبواب الأمل والعمل والإنجاز.
فالشباب الذين يجدون مساحة للتعبير عن آرائهم، وفرصاً عادلة لإثبات قدراتهم، ومؤسسات تستمع إليهم وتحترم طموحاتهم، يمتلكون مساحة أوسع لمقاومة الأفكار التي تحاول استغلال الإحباط والعزلة والشعور بالتهميش.
وهنا يجب أن نتوقف عند قضية بالغة الأهمية: الحذر من الحلول الانفعالية.
فالأزمات لا تدار بالغضب وحده، والأمن لا يُبنى بالقرارات المتسرعة، ومواجهة الإرهاب لا تعني فتح أبواب الاتهام والتشكيك أمام مؤسسات المجتمع.
علينا أن نفرق بين الحزم والتسرع، وبين حماية الأمن وتوسيع دائرة الاشتباه، وبين محاسبة المسؤول وفق الأدلة وتحميل المؤسسات بأكملها مسؤولية أخطاء أفراد.
إن المتطرفين يريدون لمجتمعاتنا أن تنقسم، وللخوف أن يحل مكان الثقة، وللكراهية أن تصبح لغة الحوار.
ولذلك، فإن من واجبنا ألا نمنحهم هذه الفرصة، وألا نسمح لأفعالهم بأن تهز تماسكنا الوطني أو تدفعنا إلى ممارسات تتعارض مع قيمنا ومبادئنا.
الأردن، بما يمتلكه من خبرات وطنية ومؤسسات راسخة ومجتمع متماسك، قادر على ترسيخ نموذج متقدم في الوقاية من التطرف، يقوم على اليقظة الأمنية، والعدالة، والتعليم النوعي، والإعلام المسؤول، والاحتواء المجتمعي، والاستثمار في الإنسان.
فحماية الوطن لا تبدأ عند الحدود فقط، بل تبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن الجامعة، ومن كل مساحة تتشكل فيها عقول أبنائنا ووجدانهم.
إننا لا نريد جيلا يخاف من العالم، بل جيلا يفهمه.
ولا نريد شبابا يرفضون الآخر، بل شبابا يمتلكون الثقة بهويتهم وقيمهم، ويحترمون الاختلاف، ويؤمنون بأن الحياة تبنى بالعلم والعمل والمحبة، لا بالكراهية والعنف.
فلنحم أطفالنا قبل أن تختطفهم الأفكار، ولنحتضن شبابنا قبل أن تستغلهم الجماعات المتطرفة، ولنمنح مؤسساتنا الأدوات والخبرات اللازمة للقيام بدورها. ولنتذكر أن كل طفل نحصنه بالوعي، وكل شاب نفتح أمامه بابا للأمل، وكل فكرة متطرفة نواجهها بالعلم والحوار، هي خطوة إضافية في حماية مستقبل وطننا.
فالأوطان لا تحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى بالعقول التي تعرف قيمة الحياة، وبالقلوب التي تتسع للآخر، وبالمؤسسات التي تعمل قبل وقوع الخطر، وبمجتمع لا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الظلام.
الأردن يستحق أن نكون على قدر أمانته… وأطفالنا يستحقون مستقبلا لا تخترقه الكراهية، وشبابنا يستحقون وطنا يجدون فيه الأمل والانتماء والفرصة.
فلنجعل معركتنا مع التطرف معركة وعي، ومعركتنا مع الكراهية معركة إنسانية، ومعركتنا من أجل الأردن معركة بناء جيل يعرف أن الوطن بيت الجميع، وأن الاختلاف لا يبرر العنف، وأن الحياة أقوى من كل فكر يحاول أن يهدمها.

























































