اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
طالما كان الأردن منارة للإشعاع المعرفي ونموذجاً يُحتذى به في المنطقة. اما العقود الثلاثة الماضية فقد حولت بنية التعليم العالي وتوجهاته جذريا و بشكل يستدعي المراجعة. هذا التغيير السريع لم يكن، للأسف، وليد حاجة حقيقية لتطوير المعرفة أو الارتقاء بالعقل، بل انحرف بالتعليم عن مساره الفلسفي النبيل، فقد تحول في كثير من مساراته من رحلة غايتها بناء العقل وصياغة الوعي الإنساني العميق، إلى مجرد سباق تسلح محموم غايته حصد الشهادات وتكديس الألقاب الأكاديمية.
هذا التضخم العددي غير المسبوق في منح الشهادات، على تباين مستوياتها، أفرز التباساً خطيراً ومزمناً تداخلت فيه المفاهيم، فأصبحت صورة حامل الشهادة في المخيلة مجتزأة ومختلطة بصورة الإنسان الواعي المتعلم. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى إعادة التذكير بأبجديات الفلسفة التعليمية. الشهادة الأكاديمية ليست، ولن تكون يوماً، غاية بحد ذاتها، بل هي في جوهرها وسيلة وأداة، يُفترض بها أن تهذب السلوك البشري، وتوسع المدارك، وتدفع بصاحبها نحو اشتباك إيجابي ونقدي وبنّاء مع قضايا وطنه ومجتمعه المحيط.
بيد أن الواقع يقول لنا بان الغالبية العظمى من خريجينا اليوم، وبمجرد أن تطأ أقدامهم عتبة الوظيفة أو يحققوا نوعاً من الاستقرار المالي المؤقت، ينكفئون على ذواتهم، ويدخلون في حالة من السبات المعرفي الطويل، متخلين طوعاً عن أي دور طليعي في التنوير المجتمعي أو القيادة الفكرية. إن الشهادة الجامعية التي تفشل في شحذ العقول وتنمية مهارات التحليل الفكري والنقد الموضوعي، هي بلا شك شهادة قاصرة، لانها تعيد إنتاج إنسان مستهلك للأفكار الجاهزة، وليس صانعاً أو مطوراً لها. هذا النمط من التعليم السلبي يجرد الخريج من حصانته الفكرية ومناعته الثقافية، فلا تعود شهادته العُليا قادرة على حمايته من السقوط في فخاخ الأخبار الزائفة، أو الانجرار الأعمى خلف موجات الخطاب الشعبوي المضلل والمثبط للعزائم.
وإذا ما انتقلنا من تشخيص الأزمة الفكرية إلى أبعادها الاقتصادية، نجد أن اوساط الاعمال الأردنية تضج بشكوى مزمنة مفادها أن آلاف الخريجين يقفون بلا عمل، بينما تبحث مئات الشركات عن موظفين مؤهلين ولا تجدهم. هذه المفارقة الصارخة تلخص أزمتنا الحقيقية. فالسبب الجوهري يكمن في أن السوق قد طوى صفحة المؤهل الورقي واندفع بقوة نحو اقتصاد المهارات. كبريات الشركات والمؤسسات الرائدة اليوم تبحث بشغف عن المواهب التي تستطيع إضافة قيمة، وليس عن الشهادة بحد ذاتها. فالتنمية الاقتصادية المستدامة والراسخة تعتمد بالأساس على جودة الإنتاج وتنافسيته، وحينما تكون المخرجات التعليمية هشة، فإن النتيجة الحتمية هي ضعف الإنتاج الوطني، وتراجع قيمته المضافة في الأسواق، وتعثر مساعي الابتكار.
أمام هذا المشهد، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام استحقاق وطني لا يحتمل ترف التأجيل. نحن مطالبون اليوم بانتقال جاد وشجاع من نظام تعليمي يرتكز على شحن الذاكرة وحفظ المحتوى، إلى نظام مبني على الكفايات والمهارات والخبرة العملية. يجب أن نغرس في عقول الأجيال ثقافة صلبة مفادها أن يوم التخرج هو خط البداية لرحلة التعلم وليس نهايتها. لذا، بات من الضروري أن نتحول من مجتمع الشهادات إلى اقتصاد المعرفة، لأن الوعي الاجتماعي والسياسي الناضج لا يُشترى بورقة مختومة، بل يُبنى بعقول تتقن فن السؤال والتفكير النقدي، وبأيدٍ مدربة تمتلك مهارات العمل الميداني والتقني. من هنا، يبرز إصلاح التعليم بوصفه المشروع الوطني الأهم والأولى بالرعاية في الأردن، والمدخل الأساسي لتحقيق استقرار متين وازدهار اقتصادي حقيقي ومستدام.

























































