اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
تحية وفاء إلى معالي الأستاذ الدكتور كامل العجلوني
الطبيب والعالم والمفكر والإنسان
هناك رجال لا تختصرهم الألقاب، ولا تختزلهم المناصب، لأن قيمتهم الحقيقية تكمن فيما يتركونه من أثر في العلم والحياة والوعي الإنساني. ومن هؤلاء الخال العزيز الأستاذ الدكتور كامل العجلوني، الطبيب والعالم والمفكر والإنسان، الذي يضيف إلى مسيرته العلمية والطبية جهدًا فكريًا وتاريخيًا موسوعيًا بعنوان ' الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش مضطر؟ من مؤتة إلى غزة '.
إنه عنوان يتجاوز حدود الكتاب والتوثيق، ليطرح أسئلة عميقة حول علاقة الحضارات، وجذور الصراعات، ودروس التاريخ، ومسؤوليتنا تجاه حاضرنا ومستقبل أمتنا. وهو يجمع بين مؤتة، بما تحمله من دلالات تاريخية، وغزة، بما تمثله اليوم من مأساة إنسانية واختبار لضمير العالم.
يا خال، عرفناك طبيبًا يداوي الأجساد، وعالمًا يبحث عن الحقيقة، ومفكرًا لا يكتفي بقراءة الأحداث، بل يعود إلى جذورها، محاولًا فهم أسبابها واستخلاص العبر منها. وها أنت اليوم تنتقل من ميدان الطب إلى فضاء التاريخ والحضارة، لتؤكد أن رسالة العلم لا تتوقف عند حدود التخصص، وأن مسؤولية المثقف تمتد إلى مجتمعه وأمته، وإلى القضايا التي تمس كرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية والعدل.
مؤتة… حين كان للاعتداء على المبعوث شأن عظيم ، في السنة الثامنة للهجرة، بعث رسول الله سيدنا محمد ﷺ الحارث بن عمير الأزدي برسالة إلى حاكم بصرى، فقُتل المبعوث على يد شرحبيل بن عمرو الغساني. وكان ذلك اعتداءً خطيرًا على حرمة الرسل والمبعوثين، وما تمثله رسالتهم من تواصل وأمان بين الجماعات السياسية.
وعلى إثر هذه الحادثة، جهز النبي ﷺ جيشًا توجه إلى مؤتة، وجعل قيادته لزيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. وقد استشهد القادة الثلاثة في المعركة، لتبقى مؤتة محطة بارزة في التاريخ الإسلامي.
إن استحضار هذه الحادثة اليوم لا يعني الدعوة إلى استنساخ حروب الماضي، ولا تحويل التاريخ إلى ثأر دائم بين الشعوب، بل يدعونا إلى فهم ما تحمله من دروس في المسؤولية، واحترام العهود، وأهمية حماية المبعوثين، وضرورة ألا يكون الاعتداء على الإنسان أمرًا عابرًا بلا موقف.
وهنا يبرز السؤال: ماذا تعلمنا من تاريخنا؟ وهل اكتفينا بحفظ الوقائع وأسماء القادة والمعارك، أم استطعنا تحويل دروس الماضي إلى وعي يساعدنا على مواجهة تحديات الحاضر؟
إن التاريخ الذي لا يقود إلى الحكمة يصبح ذاكرة مثقلة بالجراح، أما التاريخ الذي نقرأه بعقل ناقد وضمير حي، فيغدو مصدرًا للوعي والإصلاح.
من مؤتة إلى غزة… أين الأمة الإسلامية ؟ إذا كانت مؤتة تستحضر أمامنا حادثة تاريخية ارتبطت بالاعتداء على مبعوث الرسول ﷺ، فإن غزة تضع أمامنا مأساة معاصرة تمس ضمير الإنسانية جمعاء. لقد عانى الفلسطينيون القتل والدمار والنزوح وفقدان الأحبة، وتعرضت عائلاتهم لظروف قاسية من نقص الغذاء والماء والدواء والمأوى. وتحولت حياة أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن إلى معاناة يومية، في ظل تدمير البيوت والمرافق الأساسية وتعثر مقومات الحياة.
وأمام هذه المأساة، لا بد أن نسأل أنفسنا بصدق: أين الأمة الإسلامية من الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني؟ وأين الموقف العربي والإسلامي القادر على تحويل التضامن إلى عمل منظم ومستمر؟ وكيف يمكن أن تبقى هذه المعاناة حاضرة في وجداننا، لا مجرد خبر يتكرر حتى تفقده النفوس أثره؟
إن السؤال عن مسؤولية الأمة ليس دعوة إلى الانتقام أو الكراهية، بل إلى موقف أخلاقي وسياسي واضح، وإلى تحرك جاد لحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، ودعم المؤسسات الطبية والإغاثية، وتوثيق الانتهاكات، ومساندة المسارات القانونية التي تسعى إلى المساءلة وتحقيق العدالة.
إن التضامن الحقيقي لا يقاس بحرارة الكلمات وحدها، بل بما تحققه من أثر في حياة الناس. فالدول تستطيع التحرك دبلوماسيًا، والمؤسسات تستطيع الإغاثة والعلاج، والجامعات ومراكز البحث تستطيع التوثيق والتحليل، والأفراد يستطيعون دعم المبادرات الإنسانية الموثوقة ونشر المعرفة الدقيقة.
وغزة ليست مجرد قضية سياسية؛ إنها قضية الإنسان الذي يستحق الحياة والأمان والكرامة. وأطفالها ليسوا أرقامًا في التقارير، بل أرواح لها أحلام وحقوق ومستقبل ينبغي ألا تبتلعه الحروب. كما أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يحتاج إلى العداء للشعوب أو الأديان، بل إلى التمسك بمبدأ واضح: أن كرامة الإنسان وحقوقه لا يجوز أن تخضع للانتقائية أو لموازين القوة والمصالح.
الكتاب الموسوم … من توثيق الماضي إلى فهم الحاضر ، تأتي أهمية موسوعة الدكتور كامل العجلوني من محاولتها قراءة مسار طويل من العلاقات بين الحضارة العربية الإسلامية والغرب، بما شهده من صراعات وتفاعلات وتغيرات سياسية وثقافية، وصولًا إلى القضية الفلسطينية وغزة.
إن السؤال الذي يطرحه عنوان الكتاب... الموسوم ، حول ما إذا كانت العلاقة بين الحضارتين قائمة على العداء الدائم أم على التعايش المضطر، يستحق بحثًا تاريخيًا جادًا. فالتاريخ لا يختزل في الحروب وحدها، كما لا يمكن تجاهل الاستعمار والصراعات والمظالم التي تركت آثارًا عميقة في مجتمعاتنا.
ومن الإنصاف أن نميز بين سياسات الحكومات ومواقف الشعوب، وأن ندرك أن العلاقات الحضارية شهدت مراحل من الصراع وأخرى من التعاون والتبادل العلمي والثقافي والتجاري. ففهم الماضي يتطلب قراءة الوثائق في سياقاتها، ومقارنة الروايات، والتمييز بين الوقائع التاريخية وتفسيراتها.
وتزداد قيمة أي عمل موسوعي حين يتيح للباحثين والطلاب الرجوع إلى المصادر ومناقشة الاستنتاجات، لا الاكتفاء بتلقيها. فالعلم الحقيقي لا يخشى السؤال، والمفكر الحقيقي يفتح أمام الأجيال أبواب البحث والنقد والمراجعة.
إننا بحاجة إلى تاريخ نتعلم منه، لا تاريخ نعيش أسرى له؛ وإلى ذاكرة تحفظ الوقائع، وعقل يفحص الأدلة، وضمير يرفض الظلم، وإرادة تعمل على بناء مستقبل أفضل.
إن أجمل ما في مسيرتك أيها الخال وابن الخال العزيز… الطبيب والعالم والمفكر والإنسان ، أن صورة الطبيب لم تنفصل عن صورة الإنسان، وأن العلم لم يكن مجرد لقب أو تخصص، بل رسالة لخدمة الحياة والمعرفة.
فالطبيب يداوي الجسد، والعالم ينير العقل، والمفكر يوقظ الأسئلة، والإنسان يمنح هذه الرسائل معناها الأخلاقي. وحين تجتمع هذه المعاني، يصبح العلم مسؤولية تتجاوز حدود الإنجاز الشخصي إلى خدمة المجتمع وإثراء وعيه.
إن انتقالك إلى البحث الموسوعي في التاريخ والحضارة يعكس اهتمامًا يتجاوز حدود التخصص، ويمنح القراء فرصة للتأمل في قضايا أمتهم وموقعها في العالم. ونأمل أن يجد هذا العمل مكانه في الجامعات والمكتبات ومراكز الدراسات، وأن يكون حافزًا للشباب على القراءة والبحث والتحقق، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والروايات المجتزأة .
وما أحوجنا اليوم إلى مفكرين يربطون المعرفة بالمسؤولية، ويذكروننا بأن قيمة العلم لا تقاس بما نعرفه فحسب، بل بما نفعله بهذه المعرفة، وبما نقدمه للإنسان من خير وعدل وكرامة.
من مؤتة إلى غزة، و حتى لا تبقى غزة فصلًا آخر في كتب التاريخ ، تتغير الأزمنة والأماكن، لكن الأسئلة الكبرى تبقى: ماذا تعلمنا من الماضي؟ وكيف نحمي الإنسان في الحاضر؟ وما قيمة التاريخ إذا لم يساعدنا على منع تكرار المآسي؟
إن استحضار مؤتة ينبغي أن يدفعنا إلى التفكير في المسؤولية والموقف، واستحضار غزة ينبغي أن يحرك فينا واجب العمل والإغاثة والدفاع عن الحقوق. وليس المطلوب أن نعيش أسرى صراعات الماضي، بل أن نستخلص منها ما يعزز العدل، ويحمي المدنيين، ويمنع الإفلات من المساءلة.
الخال العزيز، الأستاذ الدكتور كامل العجلوني، نعتز بك طبيبًا وعالمًا ومفكرًا وإنسانًا، ونقدر هذا الجهد العلمي والفكري الذي يفتح بابًا للنقاش حول تاريخنا وعلاقتنا بالعالم وقضايانا المعاصرة. ونرجو أن تكون موسوعتكم ' الموسومة ' إضافة نافعة للمكتبة العربية، وأن تلهم الأجيال مزيدًا من البحث والتفكير والعمل.
حفظكم الله، وأدام عليك الصحة و العافيةً و العمر المديد و المزيد المزيد من العطاء ، وجعل علمك نافعًا وجهدك مثمرًا، ووفقك لمزيد من العطاء الذي يجمع بين المعرفة والمسؤولية الإنسانية.
ومن مؤتة إلى غزة، يبقى الدرس الأهم أن التاريخ ليس صفحات نقرؤها ثم نطويها، بل مسؤولية نحملها في حاضرنا. وأن نصرة المظلوم لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالعمل المشروع، والوعي، والتضامن، والتمسك بالعدل والكرامة الإنسانية.
فالطبيب يعالج الجسد، والعالم ينير العقل، والمفكر يوقظ الضمير، أما الإنسان الذي يجمع هذه الرسائل، فيترك أثرًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. وهذا ما نرجوه لكتابكم ' الموسوم ' يا خال، ولرسالتك العلمية والإنسانية، ولأجيالنا التي تستحق أن تتعلم من التاريخ، وتعمل لإصلاح الحاضر، وتصنع مستقبلًا لا يُترك فيه المظلوم وحيدًا، ولا يصبح فيه الظلم قدرًا لا يتغير.
* مدير عام مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me

























































