اخبار فلسطين
موقع كل يوم -بي بي سي عربي
نشر بتاريخ: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
جاءت نتائج جوائز الدورة 70 لمهرجان لندن السينمائي مفاجئة، عندما ذهبت اثنتان من الجوائز الرئيسية الأربعة لفيلمين وثائقين؛ واحدة منهما هي جائزة المسابقة الرسمية للمهرجان التي توج بها فيلم المخرج الأوكراني سيرغي لوزينتسا 'إمبريوم' المعتمد كليا على استعادة مادة أرشيفية عن الاتحاد السوفياتي السابق من دون تدخل في إعادة بنائها، وكانت الثانية للفيلم وثائقي أردني يمثل التجربة الإخراجية الأولى لمخرجته، وهو فيلم 'أرض الخرسانة' لأسمهان بكيرات.
وبذلك، أعطى المهرجان أثرة خاصة للسينما الوثائقية، بل لنمط محدد منها الذي يعرف بالفيلم الوثائقي الرصدي، الذي يقوم على مبدأ رصد الحدث الواقعي وتسجيله وتقديمه كما هو من تدخل من المخرج في مساراته أو شرح أو تعليق عليه، بل تُترك مهمة التفسير والاستتناج لمشاهده.
وكأن لجان تحكيم المهرجان حرصت على الانتصار للواقع على الخيال، خاصة لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية التي ترأسها المخرج والمنتج الأمريكي سام بولارد (وهو بدوره مخرج وثائقي متوج بجائزة الرابطة الدولية للأفلام الوثائقية).
والحقيقة أن ذلك ليس بتقليد غريب على السينما البريطانية التي عُرفت بميلها للواقعية وبتقاليد مدرسة السينما التسجيلية البريطانية العريقة مع مؤسسها جون غريرسون الذي حملت جائزة مسابقة الأفلام الوثائقية في المهرجان اسمه، وتوجت بها المخرجة الأردنية الفلسطينية اسمهان بكيرات هذا العام.
تيه في أرض الخرسانة
يقدم فيلم 'أرض الخرسانة'، وله عنوان ثانٍ 'تياها'، رصداً وتوثيقاً للحياة اليومية لعائلة بدوية فلسطينية مهجرة من بئر سبع تسكن في أطراف مدينة عمان، وتكافح من أجل البقاء والحفاظ على تقاليدها في بيئة تتغير بسرعة شديدة، وتواجه زحف التوسع العمراني مع توسع المدينة على حساب المساحات الزراعية أو الرعوية والبيئة البكر المحيطة بها. ومن هنا جاء عنوان الفيلم أرض الخرسانة.
وتنعكس هذه التحولات المكانية والاجتماعية على حياة ثلاثة أجيال من عائلة النجار التي يصورها الفيلم، ويحرص على رصد مساراتها المتباينة، بدءاً من الجيل الأول ممثلا بالجد، وهو من أصول أفريقية، الذي تمثل الطبيعة ملاذه الرئيسي حيث يقضي جل وقته في الرعي، والجدة التي تعيش بانسجام مماثل مع الطبيعة، ومع حيواناتها وتحديدا نعجتها المدللة التي تسميها 'بدرية'، والتي احتلت علاقة الجدة معها مساحة من الفيلم. وقد كانت هذه العلاقة هي ما لفتت انتباه المخرجة وصديقتها 'لبان مرقة'، وهي كاتبة السيناريو ومونتيرة الفيلم لاحقاً، عندما شاهدتا علاقة الجدة بها بالمصادفة بينما كانتا في نزهة لتتعرفا على صاحبتها وتبدأ تلك العلاقة الطويلة التي قادت إلى الفيلم، كما تقول مخرجة الفيلم.
الأكثر قراءة نهاية
ثم يأتي الجيل الثاني ممثلاً بالابن الذي يعمل سائق شاحنة وزوجته والجيل الثالث ممثلاً بأطفالهما، ويركز الفيلم على الطفلة إيمان، التي صور الفيلم نموها على مدى سنوات منذ أن كانت بعمر 9 سنوات حتى أصبحت شابة مراهقة تحاول الاندماج بالحياة الحديثة وتتابع الأغاني والرقصات الاجنبية (الكورية تحديداً) عبر الانترنت وتطبيق تك توك كبقية أبناء جيلها.
وهكذا نرى أن هذه التحولات في المكان والتغيرات في البيئة تنعكس على الواقع السايكولوجي للشخصيات التي تتباين في مقترباتها من الواقع؛ بين الجد والجدة المندمجين في الطبيعة والابن الغارق في العمل ومحاولة تأمين الاستقرار لعائلته وزوجته الراغبة في انجاب مولود جديد رغم كل قساوة الواقع المحيط بهم، وجيل الأحفاد ممثلا بإيمان ومحاولتها الاندماج في الحياة الحديثة.
معايشة لحياة يومية
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
ويحفل الفيلم بالتفاصيل الصغيرة من الحياة اليومية لهذه العائلة، فهو يترك الواقع يثرثر ويتجلى بكل بساطته من دون رسم مسار سردي صارم؛ تقول المخرجة إنها صورت أكثر من 400 ساعة من الحياة اليومية لهذه العائلة. لذلك تغرق في تلك التفاصيل اليومية وتؤجل مواجهة اللحظة التراجيدية التي تلوح في النهاية دائما مع الترحيل والمستقبل المجهول للعائلة.
وهذا التركيز على التفاصيل الصغيرة يكشف مدى قدرة هذه العائلة على مواجهة الواقع القاسي المحيط بها واكتشاف سبلها للصمود والبقاء والعيش بكرامة، وسط تحدياته وتحولاته المتسارعة، فنراها وسط كل ما تواجه تحوط نفسها بسياج من القناعة والطرافة والسخرية أحياناً، فضلاً عن ذلك الاندماج الكامل مع الطبيعة التي تحوطها.
وتبدو صانعة الفيلم وكأنها تسعى إلى إيقاف الزمن وتخليد هذا الشغف بالحياة والانتماء للطبيعة، وتلك القناعة التي تجعل العائلة تعيش بفرح وسعادة نسبية ونبل رغم عدم امتلاكها لأي شيء، مؤجلة النظر في المصير المأساوي الذي ينتظرها.
ويتجلى هذا النبل أمامنا في تفاصيل صغيرة عفوية: كمحاولة الجدة إنقاذ شجرة معمرة من أمام الحفارة التي تسعى لاقتلاعها لتسعى لإعادة غرسها في مكان آخر، أو في علاقتها العاطفية الخاصة مع نعجتها المدللة التي تعنى بها وتزينها وتمشط صوفها، وعلاقة الجد بالطبيعة التي ينتمي كليا إليها والتي يصل الفيلم فيها إلى ذروتها، باصراره على العيش في العراء تحت سماء مفتوحه؛ ثم بموته كمداً بعد أن تجبر العائلة على الرحيل ويضطر الابن إلى بيع أغنامهم استعداداً للانتقال إلى مكان جديد في المدينة.
كما نراها في عناية العائلة بنظافة وهندام أطفالها وإرسالهم إلى المدرسة، وفي علاقة الأب معهم، حيث يلاعبهم بالدمى المحشوة مقلداً شخصيات كارتونية تلفزيونية، ويمتد هذا الإباء إلى الأطفال أنفسهم حيث نرى في مشهد الطفلة إيمان ترفض أخذ نقود لا تحتاجها.
وتوضح المخرجة هذه الرؤية عندما تقول في مقابلة صحفية معها: 'أريد من الناس أن يدركوا أن حياة البدو لا تعني الفقر. فإذا رأيت أشخاصاً يعيشون في خيمة، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم فقراء. هذه حقيقة يصعب على الكثيرين استيعابها؛ فالبدو تاريخياً لم يكونوا فقراء، بل اختاروا هذا النمط من الحياة لأنهم أرادوه. لم يكن الأمر مفروضاً عليهم، كما أن الحداثة ليست بالضرورة أفضل دائماً؛ فهي ليست كذلك'.
وتظل إحدى القضايا المحورية في الفيلم رصد هذا التهديد الذي تواجهه هذه العلاقة مع الطبيعة في بيئة متغيرة، والآثار الجانبية للتوسع العمراني عليها، فزحف الكتل الخرسانية للفلل والمساكن التي بدأت تُشيد في المنطقة، يفرض واقعاً جديداً يترك أثراً تراجيدياً على حياة هذه العائلة المكتفية بذاتها، فالسكان الجدد يواجهون العائلة بعدوانية ويطالبون البلدية بترحيلها مع حيوانتها التي يضايقهم وجودها في المنطقة.
لنواجه بتلك اللحظة التراجيدية التي ظلت المخرجة تحاول تأجيلها عبر تدفق لا يتوقف من التفاصيل الصغيرة ولحظات الاحتفاء بالحياة، والتي تنعكس في مشهد النهاية عندما تحشر العائلة في شاحنة قديمة متهالكة تشق طريقها نحو إحدى المجمعات المكتظة بالسكان في المدينة.
وسط كل تلك المأساوية التي تكتنف النهاية، لا تعدم بكيرات تصوير تلك الرغبة الطافحة بالحياة والتعلق بالأمل، فالعائلة ترزق بمولود جديد، ونعجة الجدة المدللة يتم أخفاؤها لمنع بيعها وتأخذها العائلة معها، وتنشغل البنات بتصوير الألعاب النارية وحفل موسيقي عن بعد. هذا الأمل تعكسه المخرجة في نظرة صبية مشوبة بالحزن والإحساس بالفقدان تطمح للتمرد على هذا التيه الأبدي الذي تواجه عائلتها.
فيلم يفيض بالمحبة
فيلم 'أرض الخرسانة' فيلم فقير في إنتاجه، لكنه باذخ الثراء في صدق تعامله مع الواقع وحميميته في التعامل معه. فهو فيلم يفيض بالمحبة لمادته المصورة، ولعل السمة الأبرز لمخرجة الفيلم التي قادتها إلى قطف هذه الجائزة المهمة، وهي بالمناسبة مصورة الفيلم أيضاً، هي حبها للمادة التي تصورها واندماجها معها؛ الأمر الذي استحال إلى نوع من المعايشة مع العائلة التي تصورها حتى باتت هي وكاميراتها التي توثق يومياتها جزءاً لا يتجزأ منها، وليست مجرد عين خارجية مراقبة.
وقد انعكس هذا الحب الذي تصور به المخرجة موضوعها في عنايتها الفائقة بجماليات صورتها السينمائية واختيار زوايا الكاميرا التي تصور بها شخصياتها في أماكن صغيرة كالخيمة التي يعيشون فيها، بما يضمن التقاط أدق انفعالاتها ، وهو ما نوهت به لجنة التحكيم (وكانت برئاسة المخرجة الهندية سانديا سوري) في بيان تقييمها للفيلم بوصفه ' تصويرًا (بورترية لحياة عائلة) اتسم بجمال الملاحظة، وأُنجز باتقان وثقة. فمن خلال تكوين الصورة وتصميم الصوت وبناء المشاهد، والأهم من ذلك العلاقة العميقة القائمة على الثقة مع شخصيات الفيلم، أثبتت المخرجة استحقاقها لجائزة غريرسون'.
وأضاف البيان: 'يتطلب الأمر مهارة سينمائية فائقة ونضجاً فنياً كبيراً لجعل المشاهد يشعر بقربٍ شديد من كل فرد من أفراد هذه العائلة الاستثنائية، عبر أجيالٍ وفي جزءٍ مختلفٍ تماماً من العالم؛ ومع ذلك، فإن الدفء الذي نشعر به تجاه كل واحد منهم عميقٌ للغاية'، بحسب تعبير بيان اللجنة.
إن هذا التلاحم بين مخرجة الفيلم وموضوعها الذي تصوره، هو نقطة القوة والتميز الأساسية في الفيلم، فالمخرجة لا تضع فاصلة بينها وبين موضوع فيلمها، بل ترى نفسها جزءاً أساسياً منه، وشكل مسيرة حياة بالنسبة اليها، فهو ما قادها للعمل في السينما، إذ لم تكن مخرجة سينمائية محترفة بل جاءت الى السينما عبر التدريب في ورشة سينمائية، وكان ما قدمته فيها فيلماً قصيراً بعنوان 'بدرية' شكل النواة الأولى لهذا الفيلم لاحقاً، إذ ظلت على مدى سنوات تبحث عن موضوع فيلمها في العائلة؛ بدءا من الجدة ونعجتها ومرورا بصورة الأب أو الطفلة إيمان وحياتها، قبل أن تتحول في النهاية إلى حياة العائلة كلها.
تقول بكيرات إن الأمر استغرق منها نحو سبع سنوات ونصف لانجاز الفيلم، ظلت تتردد فيها على العائلة نحو أربع مرات في الأسبوع بشكل دائم، وتوثق حياتها اليومية وهمومها وأحلامها، وجعلت من مشروع الفيلم مساهمة منها في كفاح هذه العائلة لنيل حقوقها ومواجهة ما تواجهه من تهجير وعداء وتنمر وعنصرية في حياتها، لا سيما من بعض أصحاب المساكن الخرسانية الجديدة، الذين احتلوا عالمها وبيئتها.

























































