اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
تكتفي حروب بتغيير خرائط الحدود، وأخرى تعيد تشكيل الوعي وتكشف ما كان مخفيًا. لكن الحرب اليوم في المنطقة تنتمي إلى النوعين ومعا ولكنها أقرب للنوع الثاني؛ لأنها لم تكتفِ بفتح جبهات جديدة، بل فتحت أيضًا ملفات كان بعضهم يراهن على إغلاقها، وأسقطت أوهامًا ظنها البعض حقائق لا تقبل الجدل. فما كان يُروَّج له كصراع قابل للتجزئة والاحتواء عاد فجأة ليؤكد أنه صراع واحد لا يقبل التقسيم. واستدعى الصراع ذاكرة بعيدة وقريبة، حول الوثوق بالوعود الغربية ومحاربة الأقربين، وعن فرص قد تكون الأخيرة لاستعادة زمام المبادرة. ففي خضم هذا التصعيد، ثمة ما يشبه إعادة إنتاج لمشهد سابق، لكن بأدوات مختلفة ورهانات أكبر، وثمة ما يشبه لحظة فارقة قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.
لعقود طويلة راهنت الاستراتيجيات الغربية والإسرائيلية على إمكانية تفكيك الصراع العربي-(الإسرائيلي) إلى ملفات منفصلة: مسار فلسطيني منعزل عن محيطه، وأزمات قابلة للتبادل، وصراعات فرعية( غزة-الضفة-القدس) يمكن احتواؤها. لكن الحرب الحالية أثبتت أن هذه المقاربة لم تكن سوى وهمًا استراتيجيًا. فمحاولة فصل غزة عن الضفة، وفصل الجبهة اللبنانية عن الفلسطينية، وعدم تأثر كيان عربي بأزمة كيان عربي آخر وإدارة الصراع بدل حله، كلها أوصلت إلى ما نشهده اليوم: انفجار شامل يعيد ربط كل الأطراف بسقف واحد.
فما يميز المرحلة الراهنة هو تجاوزها لكل التفاصيل الجانبية التي حاول البعض تمريرها كأساس للصراع. فلم تعد المسألة متعلقة بحدود قابلة للتبديل، أو ترتيبات أمنية مرحلية، أو حتى صفقات تطبيع. بل عاد السؤال الجوهري إلى الواجهة: إنها مسألة وجود وحقوق، واحتلال ومقاومة. هذه العودة إلى الجذور حوّلت الصراع من حالة جمود سياسي إلى مواجهة مفتوحة يعرف فيها كل طرف ما يريد، وما هو مستعد لتقديمه.
والعودة الأخرى المهمة أيضا هي عودة الكيان الصهيوني إلى حقيقته، فبعد أن كان مخبأً خلف عقود من الخطاب الدعائي عن 'السلام' و'التعايش'. فبمجرد أن شعرت إسرائيل أن الظروف تسمح لها بالتخلص من الرياء، اختفى خطاب 'الشريك الفلسطيني' و'حل الدولتين'، ليحل محله لغة التطهير العرقي والترحيل والدمار الشامل. لم يعد هناك حاجة إلى الأقنعة، فعادت إسرائيل إلى طبيعتها الأولى التي قامت عليها: دولة عصابات منظمة، لا تؤمن إلا بالقتل والترويع، وتعتبر أن القانون الدولي مجرد ورقة لا قيمة لها. وما نراه اليوم في غزة وجنوب لبنان وسوريا وإيران ليس انحرافًا عن مسار الكيان، بل هو امتداد طبيعي لنشأته التي تلتهم المجازر: دير ياسين، قبية، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، والآن غزة والشمال. هذا الانكشاف هو أوضح ما أنتجته الحرب، لأنه أسقط عن الصراع كل الأوهام التي طالما ساعدت على تمرير الاحتلال.
ما بدأ كاشتباكات على حدود غزة سرعان ما تجاوز الجغرافيا الفلسطينية ليصبح ساحة إقليمية مفتوحة. فتحولت جبهات متعددة - من اليمن إلى لبنان إلى سوريا والعراق وإيران - إلى مسارح عمليات متصلة. هذا التوسع لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل انعكاس لحقيقة أساسية: أن الصراع بطبيعته إقليمي ودولي، وأن أي محاولة لاحتواءه جغرافيًا أو اقتصاديا أو عبر التطبيع، كانت مصيرها الفشل. صار واضحًا أن ما يجري ليس حروبًا متفرقة، بل معركة واحدة تمتد على محاور متكاملة.
في خضم هذا التصعيد، بدت الدبلوماسية الدولية عاجزة عن لعب دور حقيقي في وقف التغول الصهيوني في المنطقة، فالمساعي الغربية، وتحديدًا الأمريكية، لم تكن يومًا محايدة أو ساعية إلى حل، بل جاءت لتوفير الغطاء السياسي والعسكري لاستمرار الحرب. وهنا يسقط أفق من كان يراهن على فكرة 'إحراج' الكيان الصهيوني أمام العالم، ظنًا منه أن سحب الذرائع قد يكبح جماحه. فقد ثبت اليوم أن هذه النظرية لم تكن سوى وهمًا، تمامًا كما سقطت الرواية التي طالما روجتها إسرائيل وحلفاؤها عن 'غياب الشريك' أو 'تعقيدات يصعب حلها'. صار الجميع يعلم اليوم ما كان خفيًا: الإرادة السياسية الغربية ليست في اتجاه إنهاء الصراع، بل في إدارته بما يخدم الهيمنة.
لدينا ذاكرة جيدة في مقارنة الأحداث فثمة ذاكرة تاريخية تعيد الحرب الحالية إحياءها بقوة: إنها ذكرى وقوف العرب-أو جزء منهم- إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ضد جيران العرب (الأتراك) حين راهنوا على وعود لورنس، فإذا بالوعد يتحول إلى سايكس-بيكو، وإذا بفلسطين تضيع، وإذا ببلاد العرب تقسَّم. اليوم، وبعد قرن من الزمان، تتكرر اللعبة بأدوات جديدة: واشنطن تحل محل لندن، وإيران بدل تركيا، وترامب بدل لورنس، والوعود الأمريكية بـ'السلام' و'الاستقرار' تتبخر أمام واقع التغطية المطلقة للعدوان الصهيوني، وضياع الأرض العربية من النيل للفرات - حسب تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب – بدل ضياع فلسطين.
لقد آن الأوان لأن تعرف الأمة العربية عدوها من صديقها، وكيف يجب أن تتفاهم مع جيرانها مع كل الاختلافات، ثم الانتقال من مرحلة 'معرفة العدو' إلى مرحلة 'اتخاذه عدوًا'. فلم يعد مجرد معرفة نظرية بحقيقة الكيان الصهيوني وأمريكا كافيا- بعد أن انكشف قناعهما وحقيقتهما - يجب أن تترجم إلى سلوك عملي على كل المستويات: سياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، وثقافيًا. فالمعرفة دون موقف تظل مجرد انطباع لا يغير شيئًا في موازين القوى، والجميل في الأمر أن الفرصة الآن متاحة لذلك.
يجد العرب اليوم أنفسهم أمام فرصة تاريخية وتحدٍ مصيري في آنٍ واحد. فالفرصة تتجاوز مجرد إعادة ترتيب العلاقة مع أمريكا، لتحمل في طياتها احتمالًا استراتيجيًا أعمق: أن يتحول فشل أمريكا و(إسرائيل) في الحرب على إيران ولبنان إلى لحظة فارقة تشبه ما حدث مع بريطانيا عام 1956. ففي ذلك العام، وبعد العدوان الثلاثي على مصر، خرجت بريطانيا من المنطقة منهزمة سياسيًا، لتسلم زمام الهيمنة لأمريكا، وكانت ذلك الحدث إعلانًا رسميًا لانزياح بريطانيا عن سيادة العالم. اليوم، ومع استمرار فشل العدوان الأمريكي-(الإسرائيلي) في فرض إرادته، ومع التعثر الواضح في إدارة الصراع، ومع عجز واشنطن عن تحقيق أي من أهدافه الكبيرة المعلنة، فإن السيناريو ذاته قابل للتكرار. فإذا ما فشلت أمريكا في حماية إسرائيل من الاستنزاف، وإذا ما فشلت في إدارة أزمات المنطقة، فإنها ستواجه مصير بريطانيا: تراجع تدريجي عن الهيمنة، وانزياح عن دورها كشرطي العالم، وما حدث عام 1956 لبريطانيا يمكن أن يحدث لأمريكا عام 2026.
ليس من نافلة القول التأكيد على أن المصلحة العربية القطرية أو الجمعية تتمثل في علاقة جيدة ومتوازنة مع جيرانها التاريخيين إيران وتركيا، وانكفاء (إسرائيل) وتقليم أظافرها في المنطقة، وهذا ممكن حاليا أيضًا. فالحرب التي يخوضها حزب الله حاليا في الجنوب اللبناني قادرة على إلحاق هزيمة استراتيجية بالكيان إن وجد الحزب دعمًا عربيًا مناسبًا - إن لم يكن عسكريًا فليكن معلوماتيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا. فكسر الجيش الصهيوني في هذه الجبهة بكل تأكيد سيأتي بالخير على لبنان بشكل مباشر ثم سوريا التي تستباح ليل نهار، وكذلك باقي الأقطار العربية.
لن يجد الكيان الصهيوني أي رئيس أمريكي يمكن سوقه إلى حرب أخرى كبيرة في المنطقة بعد ترامب، فهذه الفرصة الأخيرة للكيان في فرض نفسه مهيمنًا إقليميًا. فإذا نجح في هزيمة إيران ستتحول المنطقة العربية والخليج خاصة إلى منطقة غير مستقرة، لأن ما كان منظمًا بيد إيران سيكون بين يدي جماعات مسلحة متعددة، أما فشل الكيان وبقاء النظام في إيران وإيجاد صياغة للتعايش المشترك بين العرب وجيرانهم في قضايا الأمن والسياسة، فسيمثل عصرًا جديدًا للمنطقة وربما العالم أجمع.
خلاصة القول، انتهى زمن تفتيت الصراع. الحرب أعادت الأمور إلى جذورها: صراع وجودي بين كيان استيطاني لا يؤمن إلا بالقوة، ومقاومة تمتلك خيار الردع والاستنزاف. في هذه المواجهة رفع الكيان الصهيوني قناعه، فظهرت طبيعته الأولى كمجموعة عصابات لا تعترف بالقانون ولا تؤمن بالسلام.
أعادت الحرب إحياء ذاكرة الغدر الغربي (وعد بلفور، سايكس-بيكو) لتؤكد أن الرهان على الغرب وهم ينتهي بالخيانة، وأن الدبلوماسية الدولية لم تكن إلا غطاءً لاستمرار العدوان.
لكن هذه المرة ثمة فرصة تاريخية: فشل أمريكا وإسرائيل قد يكرر سيناريو 1956، حيث انزاحت بريطانيا عن هيمنة العالم. وهي فرصة للعرب لإعادة ترتيب علاقاتهم مع جيرانهم (إيران وتركيا)، وتقليم أظافر الكيان، وإرغامه على الانكفاء داخل حدوده.
العرب اليوم أمام خيار واحد: اتخاذ العدو عدوًا، وترجمة المعرفة إلى موقف عملي. وفي قلب المعركة، يظل الاستنزاف الذي يقوده حزب الله هو العنوان الأكثر حضورًا؛ لأنه يثبت أن من يملك خيار الصمود يملك خيار النصر، ما نشهده ليس جولة عابرة، بل إعادة تشكيل للصراع والعالم من حوله.

























































